مصدر: بي بي سي
مع تركيز الاهتمام العالمي على التهديدات الناشئة مثل الإيبولا وفيروس هانتا في أجزاء أخرى من العالم، تتكشف أزمة أكثر إلحاحًا وتدميرًا في بنغلاديش: وهي الحصبة.
ووفقا للسلطات الصحية، فقد أدى تفشي المرض المتصاعد بسرعة إلى خسائر فادحة في صفوف الأطفال، حيث قتل أكثر من 500 طفل منذ مارس/آذار. وبينما تستمر معدلات الإصابة في الارتفاع وتفرض ضغوطًا متزايدة على نظام الرعاية الصحية المتوتر بالفعل في البلاد، فقد أثبتت جهود العاملين في المجال الطبي لاحتواء تفشي المرض أنها صعبة للغاية في نظام تعددي للغاية ولامركزي.
وفي ما يزيد قليلاً عن شهرين، تجاوزت الحالات المشتبه فيها والمؤكدة 60 ألف حالة، مما يجعل هذه واحدة من أخطر فاشيات الحصبة في السنوات الأخيرة. وتتركز الأزمة بشكل كبير في العاصمة دكا، حيث يعاني العاملون في مجال الرعاية الصحية من ضغط شديد.
وهناك مجموعة من العوامل تؤدي إلى تفاقم الوضع، وأهمها تأخر تغطية التطعيم بسبب عدم كفاية التمويل، ونقص الموظفين، وارتفاع التكاليف المباشرة. ومما يزيد الطين بلة أن المجتمعات ذات الكثافة السكانية العالية في دكا تعمل على تسريع انتشار المرض.
ويحذر مسؤولو الصحة ووكالات الإغاثة من أن الأطفال الصغار – وخاصة أولئك الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات ولم يتلقوا التطعيم – هم الأكثر عرضة لخطر المضاعفات الشديدة والوفاة. الحصبة هي عدوى فيروسية شديدة العدوى، وتنتشر بسهولة من خلال السعال والعطس، وخاصة في البيئات المزدحمة.
خلف الإحصائيات هناك مآسي فردية. وتمكنت بي بي سي من تتبع أب في دكا وصف الموت المروع لابنته أكيرا البالغة من العمر أربع سنوات. وأصيبت الفتاة في البداية بما بدا أنها حمى غير ضارة قبل أن تتفاقم حالتها. وقد أُدخلت المستشفى مراراً وتكراراً قبل أن يقوم الأطباء في النهاية بتشخيص إصابتها بالحصبة؛ بحلول ذلك الوقت، كانت بحاجة إلى أجهزة دعم الحياة وتوفيت لاحقًا.
وقال والدها إنه على الرغم من المحاولات المتكررة لتطعيم الأسرة بأكملها، إلا أنه تم رفضها بسبب اكتظاظ المستشفيات وعدم توفر اللقاح. كما أعرب عن قلقه بشأن احتمال إصابتها بالعدوى أثناء وجودها في المستشفى، حيث ورد أن مرضى الحصبة يتواجدون في مناطق متعددة.
وفي جميع أنحاء بنجلاديش، تكشفت مواقف مماثلة، حيث تكافح المستشفيات للتعامل مع الزيادة، وتكتظ الأجنحة، وتسافر العائلات لمسافات طويلة للحصول على الرعاية في المدن الكبرى. في بعض المرافق، يصعب عزل الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة بسبب محدودية المساحة والموارد.
على الرغم من الجهود المستمرة للتخفيف من حدة الأزمة المستمرة، يقول خبراء من اليونيسف إن تفشي المرض مدفوع بمجموعة من العوامل، بما في ذلك فجوات التطعيم التي اتسعت خلال جائحة كوفيد-19، عندما تعطلت خدمات التحصين الروتينية والتواصل من الباب إلى الباب. بعض المجتمعات لم تتمكن بعد من تعويض الجرعات الفائتة.
وأشارت الوكالة أيضًا إلى التأخير في شراء اللقاح كعامل مساهم، في حين يزعم المسؤولون البنغلاديشيون أن برامج التحصين لا تزال سليمة وأن التعاون الدولي مستمر. ويجري الآن تنفيذ حملة تطعيم واسعة النطاق في حالات الطوارئ، والتي تم إطلاقها في أبريل/نيسان، بدعم خارجي.
وتقول السلطات الصحية إن العلامات المبكرة تشير إلى أن العدوى قد تبدأ في الاستقرار في بعض المناطق المتضررة بشدة، على الرغم من أن التأثير الكامل سيستغرق بعض الوقت مع تطور المناعة بعد التطعيم. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن السفر في العطلات القادمة يمكن أن يسرع انتشار المرض مع انتقال العائلات بين المدن والمناطق الريفية.
وعلى الرغم من العدد المقلق للضحايا والقلق الدولي المتزايد، لم يعلن المسؤولون حالة الطوارئ الوطنية، وأصروا على أن مستشفيات المنطقة تدير الحالات وتدعم احتياجات العناية المركزة. ومع ذلك، بالنسبة لعائلات مثل عائلة أكيرا، فقد ترك تفشي المرض بالفعل حزنًا دائمًا.

د. ياسين سعيد نعمان كاتب ومحلل سياسي يمني، يتمتع بخبرة أكاديمية وإعلامية تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا في مجالي الدراسات السياسية والعلاقات الدولية. يشغل منصب كاتب رأي ومحلل في الموقع، حيث يقدم قراءات معمّقة وتحليلات استراتيجية حول التطورات السياسية في اليمن والمنطقة.
حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وشارك في إعداد أبحاث ودراسات تناولت قضايا التحول السياسي، الحوكمة، والصراعات الإقليمية. كما ساهم في عدد من الندوات والمؤتمرات الفكرية، وقدم أوراقًا بحثية متخصصة في الشأن اليمني.
تتميز مقالاته بالتحليل المتوازن والرؤية الاستراتيجية القائمة على المعطيات الميدانية والمراجع الأكاديمية، مع التزام واضح بالموضوعية والدقة.
للتواصل بخصوص المقالات التحليلية أو المشاركات الفكرية:
