لقد عرف العلماء منذ سنوات أن الحمل الأول يغير بشكل أساسي بنية ووظيفة الدماغ البشري. ما لم يعرفوه حتى الآن هو أن الحمل الثاني يفعل شيئًا مختلفًا، ليس تكرارًا، بل تجديدًا مميزًا خاصًا به.
وجدت دراسة جديدة نُشرت في 11 يوليو 2026 في مجلة Nature Communications أجراها باحثون في المركز الطبي بجامعة أمستردام، أن كل حمل يترك بصمة فريدة على دماغ الأم، حيث يؤدي الحمل الثاني إلى نمط مختلف من التغيرات العصبية مقارنة بالحمل الأول.
تابع الباحثون 110 امرأة عبر ثلاث مجموعات: النساء اللاتي حملن بطفلهن الثاني، والنساء اللاتي حملن بطفلهن الأول، والنساء اللاتي لم ينجبن أطفالًا. خضعت جميع المشاركات لفحوصات متكررة بالرنين المغناطيسي للدماغ قبل وبعد تجربة الحمل، مما سمح للباحثين بملاحظة ما تغير بالضبط في كل مجموعة.
يمكن أن تؤدي النتائج، كما هو موضح في ملخص ScienceDaily، في النهاية إلى أدوات أفضل للتعرف على حالات الصحة العقلية للأمهات وعلاجها، بما في ذلك اكتئاب ما بعد الولادة – وهو أحد الحالات الطبية الأكثر شيوعًا والأكثر تعرضًا للعلاج والتي تؤثر على الأمهات الجدد في الولايات المتحدة.
لماذا هذا مهم؟
يؤثر اكتئاب ما بعد الولادة على واحدة تقريبًا من كل سبع أمهات جدد في الولايات المتحدة، ونسبة كبيرة من تلك الحالات لا يتم اكتشافها أو علاجها. لقد كان الأساس العصبي لاكتئاب ما بعد الولادة موضوعًا للبحث النشط لأكثر من عقد من الزمن، لكن هذا المجال ركز في المقام الأول على الأمهات لأول مرة. كانت حالات الحمل الثاني – والتي تمثل حصة كبيرة من جميع الولادات في الولايات المتحدة – غائبة تمامًا تقريبًا عن الأدبيات العلمية حول تغير دماغ الأم.
هذه الفجوة مهمة سريريا. إذا تغير الدماغ بشكل مختلف خلال الحمل الثاني، فإن نقاط الضعف العصبية التي تؤدي إلى اكتئاب ما بعد الولادة قد تظهر أيضًا بشكل مختلف – في أوقات مختلفة، من خلال أعراض مختلفة، في شبكات الدماغ المختلفة. وكما وجد الباحثون، فإن توقيت الارتباط بين تغير الدماغ والصحة العقلية يختلف أيضًا بين الحمل الأول والثاني. أظهرت الأمهات لأول مرة روابط أقوى بين تغيرات الدماغ وأعراض الحالة المزاجية بعد الولادة. أظهرت الأمهات للمرة الثانية روابط أقوى بين تغيرات الدماغ وأعراض الصحة العقلية أثناء الحمل وليس بعده.
بالنسبة للأطباء، هذا التمييز مهم سريريًا. وتشير إلى أن فحص اضطرابات الصحة العقلية للأمهات أثناء الحمل الثاني يجب أن يبدأ في وقت مبكر – أثناء الحمل نفسه – وليس فقط بعد الولادة.
ما نعرفه حتى الآن
أثبتت دراسة VIKTORIA-1 وأبحاث الدماغ السابقة للحمل التي أجرتها نفس مجموعة UMC في أمستردام أن الحمل الأول يقلل من حجم المادة الرمادية في مناطق معينة من الدماغ – وهي التغييرات المرتبطة بتحسن الإدراك الاجتماعي والترابط بين الأم والرضيع. ووسعت هذه الدراسة الجديدة هذا العمل من خلال فحص ما يحدث للنساء اللاتي عانين بالفعل من تغيرات الحمل الأول ثم خضعن لحمل ثانٍ.
ووجدت الدراسة أن الحملين الأول والثاني يؤديان إلى تغييرات كبيرة ولكن متميزة في بنية الدماغ ووظيفته. تتمثل الاختلافات الرئيسية في أي شبكات الدماغ هي الأكثر تأثراً:
- يؤثر الحمل الأول في المقام الأول على شبكة الوضع الافتراضي، وهي مناطق الدماغ المرتبطة بالتأمل الذاتي، والإدراك الاجتماعي، وفهم الحالات العقلية للآخرين. ويعتقد أن هذه التغييرات تدعم التحول العميق في الهوية الذي غالبا ما يصاحب الولادة الأولى.
- يؤدي الحمل الثاني إلى تغيير الشبكات المشاركة في الانتباه والمعالجة الحسية والتفاعل مع الإشارات الحسية بقوة أكبر. على حد تعبير الباحث ميلو ستراثوف، يبدو أن الدماغ يتكيف مع المتطلبات العملية لإدارة الأسرة المتوسعة – معالجة المزيد من المعلومات من عدد أكبر من الأشخاص في وقت واحد.
يمكن لنماذج الكمبيوتر المدربة على بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي أن تميز الأمهات لأول مرة عن الأمهات للمرة الثانية بناءً على كيفية تغير أدمغتهن فقط، وهي نتيجة توضح مدى التمييز الحقيقي بين النمطين.
من أين يأتي البحث
تم إجراء الدراسة من قبل مختبر دماغ الحمل في المركز الطبي بجامعة أمستردام، بقيادة إلسيلين هوكزيما، المعروفة كواحدة من أبرز الباحثين في العالم في مجال التغيرات الناجمة عن الحمل في الدماغ البشري. لقد نشر المختبر سلسلة من الدراسات التاريخية حول هذا الموضوع بدءًا من العمل الذي يوضح أولاً أن الحمل يغير بنية الدماغ البشري بطرق قابلة للقياس ودائمة.
كان مجتمع الدراسة 110 امرأة، مما يجعلها واحدة من أكبر الدراسات الطولية المحتملة من نوعها حول تغير دماغ الأم. وتمت متابعة جميع المشاركات من فترة ما قبل الحمل وحتى فترة ما بعد الولادة، مع فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي المتعددة مما يسمح بإجراء مقارنة حقيقية قبل وبعد. سمحت مجموعة مراقبة من النساء اللاتي لم يحملن خلال فترة الدراسة للباحثين بعزل التغييرات التي تعزى على وجه التحديد إلى الحمل.
نُشر البحث في مجلة Nature Communications في 11 يوليو 2026، برقم التعريف الرقمي الكامل: 10.1038/s41467-026-69370-8.
ماذا يقول الأطباء والخبراء
قالت إلسيلين هوكزيما، مؤلفة الدراسة ورئيسة مختبر دماغ الحمل في جامعة أمستردام، لصحيفة The Epoch Times إن الدماغ يبدو أنه يتكيف أثناء الحمل بطرق قد تساعد الأمهات على التعامل مع تحديات الأمومة. ووصفت الدراسة بأنها تساعد في سد فجوة مهمة في المعرفة حول بيولوجيا المرأة، وهو المجال الذي حصل تاريخياً على تمويل واهتمام بحثي أقل بكثير من مجالات علم الأعصاب الأخرى.
وأوضح الباحث ميلو ستراثوف، الذي قام بتحليل البيانات، أنه خلال الحمل الثاني، يتغير الدماغ بقوة أكبر في الشبكات المشاركة في الاستجابة للإشارات الحسية والتحكم في الانتباه. وقارنت هذا مع تغيرات الحمل الأولى، والتي تتضمن في المقام الأول شبكة الوضع الافتراضي.
أشارت مؤسسة أبحاث الدماغ والسلوك في ملخصها للنتائج إلى أن الباحثين حددوا منطقة cuneus – وهي منطقة في الدماغ تعمل كبنية أساسية للتمثيل الذاتي – باعتبارها المنطقة التي تم العثور فيها على الاختلاف الأكثر وضوحًا بين الحمل الأول والثاني في تماسك الشبكة الوظيفية.
ما يظهره الدليل وما لا يفعله
فحص الأدلة الطبية اليومية
- نوع الدراسة: دراسة أترابية طولية مستقبلية باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي متعدد الوسائط
- حجم العينة: 110 امرأة (النساء الحوامل بالطفل الأول، والنساء الحوامل بالطفل الثاني، والضوابط)
- نُشرت في: Nature Communications، 11 يوليو 2026 (DOI: 10.1038/s41467-026-69370-8)
- المؤسسة: مختبر دماغ الحمل، المركز الطبي بجامعة أمستردام
- ما وجدته: يؤدي الحمل الثاني إلى تغيرات واضحة في حجم المادة الرمادية، ومساحات المادة البيضاء، وتنظيم الشبكة العصبية الوظيفية مقارنة بالحمل الأول. ترتبط تغيرات الدماغ باكتئاب ما بعد الولادة والترابط بين الأم والرضيع في كلا المجموعتين، ولكن في نقاط زمنية مختلفة
- ما لم تثبته: لا تثبت الدراسة أن تغيرات معينة في الدماغ تسبب اكتئاب ما بعد الولادة؛ تكونت العينة في المقام الأول من النساء الهولنديات، وقد لا يتم تعميم النتائج بشكل كامل على جميع السكان؛ لم يتم تضمين المتابعة طويلة المدى بعد فترة ما بعد الولادة في هذا التحليل
- ما يجب أن يعرفه القراء: تعمل هذه النتائج على تعزيز الفهم العلمي لتغير دماغ الأم ولكنها لم تغير بعد إرشادات الفحص السريري لاكتئاب ما بعد الولادة
من يؤثر هذا البحث
هذا البحث له آثار على جميع النساء اللاتي يعانين من الحمل، ولكنه ذو صلة مباشرة بما يلي:
- النساء الحوامل حاليًا بطفل ثانٍ، وقد يواجهن تحديات تتعلق بالصحة العقلية أثناء الحمل نفسه وليس بعد الولادة بشكل أساسي
- النساء اللاتي عانين من اكتئاب ما بعد الولادة بعد الحمل الأول والآن يحملن مرة أخرى
- مقدمو الرعاية الصحية بما في ذلك OB-GYNs والقابلات وأطباء الصحة العقلية الذين يعتنون بالمرضى الحوامل وبعد الولادة
- باحثون يدرسون الصحة العقلية للأمهات، واكتئاب ما بعد الولادة، وعلم الأعصاب في مجال تقديم الرعاية
- صانعو السياسات يدرسون التغييرات في متطلبات فحص الصحة العقلية للأمهات
إن اكتشاف أن الأمهات للمرة الثانية يظهرن روابط أقوى بين تغيرات الدماغ وأعراض الصحة العقلية أثناء الحمل – وليس بعده – له آثار عملية على كيفية وتوقيت إجراء فحص الاكتئاب في الفترة المحيطة بالولادة.
الأعراض والعلامات التحذيرية التي يجب الانتباه إليها
توصي كل من الكلية الأمريكية لأطباء التوليد وأمراض النساء وفريق عمل الخدمات الوقائية بالولايات المتحدة بإجراء فحص للاكتئاب في الفترة المحيطة بالولادة، والذي يشمل الاكتئاب أثناء الحمل وفي فترة ما بعد الولادة. يشير هذا البحث الجديد إلى أن محادثات الفحص هذه يجب أن تمتد على وجه التحديد إلى فترة ما قبل الولادة للأمهات للمرة الثانية.
تشمل العلامات التحذيرية للاكتئاب في الفترة المحيطة بالولادة والتي يجب مناقشتها مع مقدم الرعاية الصحية ما يلي:
- الحزن المستمر أو الفراغ أو اليأس أثناء الحمل أو بعده
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة في السابق
- صعوبة في النوم بشكل غير متناسب مع متطلبات الطفل حديث الولادة
- صعوبة الترابط مع الطفل أو الحمل
- مشاعر الإرهاق، أو عدم القيمة، أو مثل الأم السيئة
- أفكار لإيذاء النفس أو الطفل
هذه الأعراض ليست علامات ضعف أو فشل. اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة هو حالة طبية لها علاجات فعالة، بما في ذلك العلاج والأدوية ودعم الأقران. إذا كنت أنت أو أي شخص تعرفه تعاني من هذه الأعراض، فاتصل بمقدم الرعاية الصحية.
ما يمكنك فعله الآن
- إذا كنت حاملاً بطفل ثانٍ، فأخبري طبيبة التوليد والتوليد أو القابلة عن أي تغيرات مزاجية — بما في ذلك تلك التي تحدث أثناء الحمل، وليس فقط بعد الولادة. يشير هذا البحث إلى أن الأمهات للمرة الثانية قد يواجهن تحديات تتعلق بالصحة العقلية في وقت مبكر من هذه العملية.
- إذا عانيت من اكتئاب ما بعد الولادة بعد الحمل الأول، فناقشي هذا التاريخ بشكل استباقي مع مقدم الخدمة الخاص بك قبل أو أثناء الحمل الثاني. يمكن أن يبدأ الدعم الوقائي مبكرًا.
- اسألي مقدم الرعاية الصحية الخاص بك عن فحص الاكتئاب الرسمي في كل زيارة قبل الولادة وبعدها — وهي توصية أصبحت الآن معيارًا في العديد من الممارسات.
- تحتفظ المنظمة الدولية لدعم ما بعد الولادة بخط المساعدة ودليل مقدمي الخدمات على موقع postpartum.net للنساء والعائلات الذين يتغلبون على تحديات الصحة العقلية في الفترة المحيطة بالولادة.
- إذا كنت في أزمة، فاتصل بـ 988 Suicide and Crisis Lifeline عن طريق الاتصال أو إرسال رسالة نصية إلى 988.
التكلفة والوصول: ما يجب أن يعرفه المرضى
تتم تغطية فحص الاكتئاب في الفترة المحيطة بالولادة دون تقاسم التكاليف من قبل معظم خطط التأمين بموجب تفويض الخدمات الوقائية بموجب قانون الرعاية الميسرة. يتم تغطية خيارات العلاج – بما في ذلك العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج بين الأشخاص، ومضادات الاكتئاب – في معظم خطط التأمين، على الرغم من أن متطلبات الترخيص المسبق ومحدودية توفر مقدمي الخدمة تخلق حواجز أمام الوصول في أجزاء كثيرة من البلاد.
بالنسبة للنساء اللاتي ليس لديهن تأمين، تقدم مراكز الصحة العقلية المجتمعية والمراكز الصحية المؤهلة اتحاديًا خدمات صحة نفسية على نطاق متدرج. ابحث عن مركز صحة المجتمع على findahealthcenter.hrsa.gov. يمكن لخط المساعدة التابع لمنظمة Postpartum Support International على postpartum.net توصيل المتصلين بالموارد المحلية دون أي تكلفة.
ماذا يحدث بعد ذلك
أشار فريق بحث جامعة أمستردام UMC إلى أنه تم التخطيط لدراسات متابعة طويلة المدى لتقييم كيفية تطور التغيرات الدماغية الناجمة عن الحمل على مدار سنوات بدلاً من أشهر. ومن المتوقع أيضًا أن تدرس الأبحاث المستقبلية ما إذا كانت أنماط محددة من تغيرات الدماغ يمكنها التنبؤ بأي الأمهات الأكثر عرضة للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، مما قد يؤدي إلى تدخلات وقائية مستهدفة.
وقد لاحظت مؤسسة أبحاث الدماغ والسلوك، التي مولت الأعمال ذات الصلة في هذا المجال، أن الدراسات من هذا النوع بدأت تضع الأساس لمناهج الطب النفسي الدقيقة لرعاية الصحة العقلية في الفترة المحيطة بالولادة.
ستواصل MedicalDaily تغطية التطورات في علم أعصاب الأم وأبحاث الصحة العقلية بعد الولادة مع ظهور نتائج جديدة.
الخط السفلي
الحمل الثاني لا يكرر الحمل الأول فحسب، بل يعيد تشكيل دماغ الأم بطرق جديدة ومتميزة بشكل قابل للقياس. يختلف نمط التغير العصبي عن نمط الحمل الأول؛ فهو يؤثر على شبكات الدماغ المختلفة، وتظهر ارتباطاته بأعراض الصحة العقلية في وقت مبكر من هذه العملية. بالنسبة لملايين النساء اللاتي يحملن مرة أخرى بعد الولادة الأولى، وللأطباء الذين يعتنون بهن، يقدم هذا البحث صورة أكثر اكتمالا عن كيفية تكيف دماغ الأم والأماكن التي قد تكون أكثر عرضة للخطر. إذا كنت حاملاً بطفل ثانٍ ولاحظت تغيرات مزاجية، أخبري مقدم الخدمة الخاص بك. ويدعم العلم الآن فكرة أن تلك التغييرات قد تكون ذات معنى من الناحية العصبية.

د. ياسين سعيد نعمان كاتب ومحلل سياسي يمني، يتمتع بخبرة أكاديمية وإعلامية تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا في مجالي الدراسات السياسية والعلاقات الدولية. يشغل منصب كاتب رأي ومحلل في الموقع، حيث يقدم قراءات معمّقة وتحليلات استراتيجية حول التطورات السياسية في اليمن والمنطقة.
حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وشارك في إعداد أبحاث ودراسات تناولت قضايا التحول السياسي، الحوكمة، والصراعات الإقليمية. كما ساهم في عدد من الندوات والمؤتمرات الفكرية، وقدم أوراقًا بحثية متخصصة في الشأن اليمني.
تتميز مقالاته بالتحليل المتوازن والرؤية الاستراتيجية القائمة على المعطيات الميدانية والمراجع الأكاديمية، مع التزام واضح بالموضوعية والدقة.
للتواصل بخصوص المقالات التحليلية أو المشاركات الفكرية:
