آخر تحديث للموقع : 18 - أغسطس - 2019 , الأحد 07:29 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

مصر في رحلة اللامعنى

05 - يوليو - 2019 , الجمعة 08:02 مسائا
الرئيسيةمروان الغفوري ⇐ مصر في رحلة اللامعنى

قال السير كريسبن بلونت في مقال على الإندبندنت إن ما يجعل موت مرسي أمراً صادماً هو أنه كان "موتاً متوقعاً، لقد سبق أن توقعناه من قبل. قلنا إن الرجل سيموت غير أن أحداً لم يستمع إلينا". في مارس من العام الماضي قاد السير بلونت فريقاً من البرلمانيين والقانونيين البريطانيين، كانت مهمتهم إعداد تقرير عن الظروف التي يعيش فيها المعتقل محمد مرسي. تحدث الفريق عن هذه الأمور التي تخص حالة المعتقل مرسي: تدهور مرض الكبد الذي يعاني منه، سوء شديد في مرض السكر، إغماءات متكررة، فقدان الوزن، نوبات متكررة من غيبوبة السكر بسبب حرمانه من العلاج الضروري. في النهاية مات أهم معتقل في مصر في ظروف شديدة البؤس دفعت العالم للتساؤل عن ظروف اعتقال الناس الأقل أهمية.

لم يكن مرسي رئيساً ليبرالياً، كان قائداً يمينياً قادته انتخابات رئاسية شفافة إلى رئاسة الدولة. لكن الانتخابات لوحدها لا تضمن الديموقراطية. سرعان ما وجدت القوى الليبرالية والعلمانية نفسها، وقد خسرت الانتخابات تلو الأخرى لصالح التيارات الإسلامية، في ورطة تاريخية. الديموقراطية التي تتحدث عنها تلك القوى ليست هي بالضبط الديموقراطية التي يتحدث عنها الرئيس الجديد. الرجل الذي أصبح رئيساً لدولة يبلغ تعداد مواطنيها ٢٥٪ من سكان الوطن العربي هو نفسه الذي رأس فريقاً من قيادات الإخوان المسلمين في العام ٢٠٠٧ لينجزوا ما عرف آنذاك بمشروع حزب الإخوان. نصت مسودة الحزب التي عرضها مرسي على خمسين مثقفاً مصرياً، حينها، على استبعاد المرأة والأقباط من الحق في الترشح لرئاسة الجمهورية، أي حرمان ما يقرب من ٦٥٪ من الشعب من الحق السياسي الكامل. لم يكن ذلك هو العنصر الأسوأ في تلك المسودة، فقد تقمص معدو المشروع الحالة الإيرانية ووضعوا تصميماً لمجلس من علماء المسلمين يُراقب ما يجري في البلد ويُرجع إليه على الدوام. سيكون على البرلمان أن يرجع إلى ذلك المجلس قبل سن القوانين. ما سيقوله المجلس، كما تقول المسودة، هو في الأخير موقف الإسلام، لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه. برر مرسي فكرته تلك بالقول إن البرلمان عادة ما يكون بحاجة إلى معاونة فنية، تلك المعاونة سيوفرها مجلس علماء المسلمين.

تلقى ذلك المشروع نقداً حاداً من قبل النخب المصرية، السياسية والثقافية، وقال مرسي معلقاً على الإعصار الذي أثارته أفكاره السياسية إن جماعته لن تتراجع عن ثوابتها. سيواصل مرسي خوض السياسة بالصلابة ذاتها، معتقداً أن أفكاره هي ذاتها الثوابت التي قرأ عنها في الكتب. بعد خمسة أعوام، عقب الإطاحة بنظام مبارك، قاد مرسي جماعته ليخوض المعركة نفسها من داخل الديموقراطية هذه المرة. وعندما اقترحت عليه الدعوة لانتخابات مبكرة كمخرج لانغلاق الحياة السياسية ذهب الرجل يتحدث عن تقديم عنقه دفاعاً عن الشرعية. ما من أحد كان يدعو لإلغاء الديموقراطية، بل لانتخابات مبكرة من شأنها أن تنقذ البلد من الفوضى. فالانتخابات المبكرة تقع في صميم المشروعيات السياسية.

ثمة معادلة يعرفها الساسة في مصر تقول: ما عليك سوى أن تبطش بالإخوان المسلمين إذا أردت أن تجرد المعارضة من خطورتها. ويعرف الدارسون لتاريخ جماعة الإخوان المسلمين أن أكثر خطر يتهددها ليس النظام الحاكم بل عزلتها عن باقي الحركة الوطنية. في انتخابات ٢٠٠٥ تمنى الكاتب عبد الله السناوي في "العربي" أن تلتحق جماعة الإخوان بالأحزاب لتشكيل جبهة موحدة ضد الحزب الوطني. وذكر الجماعة بما تعرفه جيداً: أمام التهم والملاحقات التاريخية فإن جماعة الإخوان المسلمين بحاجة ماسة إلى الأحزاب المدنية لحمايتها داخلياً وخارجياً. انفرد العسكر بالإخوان المسلمين، وبتصفية الجماعة سياسياً صار ممكناً تصفية كل ما من شأنه أن يربك اللعبة.

لم تكن الانتخابات كافية لتثبيت الديموقراطية، فقد جرت معها جدلاً قاتلاً حول مسائل ليست من صميم أي ديموقراطية ليبرالية. ظهر مرسي في سلسلة من الخطابات كمناصر شديد البأس لديموقراطية الغلبة، وهي تلك النسخة من الديموقراطية التي تنتهي عند نقطة "الأكثر يحكم". في حين يفترض بالديموقراطية الليبرالية أن تبدأ من عند هذه النقطة. في نهاية المطاف نجح العسكر في الإطاحة بالديموقراطية وبكل صورها الممكنة عندما تأكد لهم أن عزلة الإخوان المسلمين عن باقي الحركة الوطنية قد اكتملت. بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين أطاح العسكر بالديموقراطية، ثم بالصحافة. ومع التعديلات الرئاسية الأخيرة، التي تمنح السيسي الحق في الحكم حتى الثمانين من عمره، فقد أطيح بالجمهورية. كان بالإمكان تحاشي الدخول في هذا الحلزون اللعين لو أن الإخوان المسلمين استشعروا خطورة الغلبة الديموقراطية، ولو أن القوى المدنية الأخرى ألقت نظرة على الماضي لتعرف خطورة العسكر على الحياة السياسية.

قالت افتتاحية لصحيفة الغارديان بتاريخ ١٨ يونيو، ٢٠١٩، إن مرسي ساهم في تحطيم
أحلام الثوار في بلده، غير أن المعاملة التي تعرض لها بعد الإطاحة به أعطت صورة مذهلة عن طبيعة النظام الذي خلفه. ها هو مرسي قد مات في محبسه محاطاً بمقولتين: مات الرئيس المنتخب ديموقراطياً، مات الإرهابي. بينما تبدو المقولة الثانية عن الإرهابي غير جديرة بالنقاش، فإن الأولى هي ما يسعنا الحديث عنها. فقد ذهب جثمان الرئيس مرسي إلى مقابر المرشدين، وهي مقبرة صغيرة في شرق القاهرة تعود ملكيتها إلى مرشد الجماعة الراحل مصطفى مشهور. سبق أن دفن في تلك المقبرة أربعة من مرشدي الجماعة منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. يطلق الإخوان على ذلك المكان "مقبرة الخالدين". يخلد مرشد الجماعة في منصبه حتى يوافيه الأجل، ما من سبيل لتبديله ولا توجد آلية داخل النظام الإخواني تنظم عملية انتقال السلطة. يمنح المرشد لقب "فضيلة"، وهي رتبة قداسوية تجعل المرشد تمرئياً للدين. تبدو الشورى داخل الجماعة شبيهة بديموقراطيات الكومونات في الأنظمة الشيوعية. على مستويات دنيا تجري مشاورات ومبادلات وربما انتخابات، غير أن كل ذلك يحدث داخل نظام صارم يتسع لنظرية واحدة، ويملك قائد وحيد أدوات اللعبة كلها. في رواية "حفلة التفاهة" يسخر ميلان كونديرا من ديموقراطية خروشوف، فلم يكن رجاله قادرين على تبادل الآراء سوى في مكان واحد، ذلك عندما يصطفون جانباً أمام المبولة. خرج مرسي من داخل ذلك النظام القداسوي إلى الحياة السياسية مباشرة، وجاءت الأحزاب الأخرى من داخل أنظمة حفلة التفاهة، وخلفهم جاء عسكر الخمسينات، بالوحشية وقلة الخيال. لقد انهرست الديموقراطية المصرية الجنينية داخل هذه الترويكا المخيفة، وفقدت حياتها.

يمكننا الحديث عن الجانب غير الليبرالي في تجربة مرسي الرئاسية. بيد أن الإغراق في نقاش هذا الجانب سيجعلنا نغفل النظر عن جريمة كبيرة مقدارها ٦٠ ألف معتقلا سياسياً في سجون مصر، ورئيس سابق يموت في قفص عازل للصوت. لقد انهارت مصر على نحو يصعب تصديقه. ففي حين كان يجري النقاش، قبل سبعة أعوام، حول البعد الليبرالي للديموقراطية، على وجه الخصوص: الحقوق المدنية، الحريات الفردية، الصحافة الحرة، والعدالة المستقلة، فإننا نقف الآن بإزاء نظام قام بتصفية الصحافة، تطويع القضاء، وإنتاج جمهورية خوف. وأبعد من ذلك، فالجيش الذي قدرت صحيفة واشنطون بوست، ٢٠١٣، اقتصاده بربع تريليون دولار توغل في البلاد وهيمن على كل اقتصادها، من إنتاج البضائع إلى الخدمات. تبدو مصر في مأزقها التاريخي وقد أصبحت واحدة من دوائر القوات المسلحة المصرية.

في الأعوام الماضية أعيدت هندسة مصر بغية تحويلها إلى بلاد صالحة لنظام حكم واحد بلا منغصات. لاحظ ستيفن كوك في "فورن بوليسي" كيف قدم السيسي لشعبه جِسر "تحيا مصر" مقابل إلغاء الحياة السياسية. كما لو أن مصر، يعتقد كوك، تصبح على نحو متزايد وكأنها لم تعد تهم أحد، إذ يأخذها الجنرالات بعيداً في طريق اللامعنى. ورغم إمكاناتها الكبيرة ها نحن بإزاء بلد أصبح يمثل اللاعب صفر أمام مشاكل الشرق الأوسط. وإذا كان مرسي قد تعثر بالديموقراطية، فإن السيسي ألغى الجمهورية نفسها.
- من صفحة الكاتب على الفيسبوك

بعد يومين من وصول لجنة عسكرية سعودية إلى عدن استمر قادة المجلس الانتقالي في الحديث إلى وسائل الإعلام قائلين إنه ما من لجنة قد وصلت إلى المدينة. في البيان الذي أصدره المجلس، ذلك الذي نظر إليه بحسبانه البيان الانقلابي رقم واحد، طلبوا ممن أسموهم "الأشقاء الشماليين" الحصول على موافقة أمنية إذا كانوا »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2019 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com