آخر تحديث للموقع : 16 - نوفمبر - 2018 , الجمعة 05:51 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

بشرى المقطري في "ماذا تركت وراءك؟": سرد توثيقي [يستعيد الأصوات المنسية] في الحروب

11 - نوفمبر - 2018 , الأحد 07:14 صباحا
154 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةثقافة ⇐ بشرى المقطري في "ماذا تركت وراءك؟": سرد توثيقي [يستعيد الأصوات المنسية] في الحروب

الملعب/ (القدس العربي) د. يمنى العيد:
يستوقفني العنوان الذي تضعه بشرى المقطري لكتابها، الكتاب الشهادة الذي تقدّمه لنا. العنوان، كما هو معروف نقديّاً، هو العتبة الأولى التي علينا تجاوزها قبل الدخول إلى عالم الكتاب. أتوقف عند هذه العتبة، عند السطر الأول من العنوان الذي جاء بصيغة السؤال “ماذا تركتَ وراءك؟”. هذا السؤال يحيل كما يبدو لي، على مآل الحياة، ويوحي بضرورة التفكير بما علينا أن نتركه وراءنا. ربما هو دعوة مضمرة، في زمن الحرب/الحروب، لعيش هذه الحياة الزائلة وتركها بسلام وراءنا. لكن لئن كان السطر الأول من العنوان يضمر الدعوة إلى التأمّل في معنى الحياة وزمنها الزائل، وبالتالي العزوف عن الحروب والاقتتال، فإنَّ السطر الثاني من العنوان “أصوات من بلاد الحرب المنسيّة”، يشير إلى هوية الكتاب، بما هو أصوات الناس الذين حكوا عن مآسي الحرب في بلاد اليمن ومرارة الفقدان الذي يعانيه أهلُها، وهو بذلك يبرر السطر الأول (ماذا تركتَ وراءكَ؟) ويضمر، في الآن نفسه، عتاباً يتّسم بالمرارة على خلفيّة النسيان، نسيان اليمن وأهله وما يعانون في هذه الحرب المدمرة.

على خلفيّة هذا النسيان المنطوي على الألم، بادرتْ الكاتبة، بحبٍّ فائق موسوم بالتضحية، إلى زيارة مدن الموت في وطنها، ولقاء من بقي من عائلات الضحايا المدنيّين، والإصغاء إلى مآسيهم/ن بهدف تقديمها لنا في كتاب.
بداية وكمقدمة، تحكي لنا عمّا طالعها لدى وصولها إلى صنعاء من مشاهد الحرب وما علق في رأسها من صور المرارة. ففي صنعاء “الميليشيات في شوارع المدينة”، وغارات الطائرات تضيء ليلها، عربات مصفحة، ومسلحون قبليّون يرتدون زيّ الجيش، “رائحة شواء الجلود البشرية”. وفي تعز مرارة مركّبة، مرارة حصار الميليشيات للمدينة، ومرارة الطريق الذي يبدأ من الدوران حول المدينة، ثم اجتياز الجبال والقرى وصولاً إلى تعز ورؤية المنازل المهدَّمة، و”مسلحين يتبعون المقاومة يتقاتلون فيما بينهم”. أما في الحديدة فقد واجهتها “مخاطرة كبيرة” إذ “تعتقل الميليشيات أيَّ صحافي قادم من خارج المدينة” حتى لو كان يمنيّاً (ص 15). هكذا تتقنَّع الصحافيّة، ترتدي “غطاء الوجه التقليدي للمرأة اليمنيّة”، وهو غطاء لا يكشف إلّا عن عينْين يستحيل أن تُعرِّفا بهويّة صاحبتهما. تتقنّع الصحافيّة اليمنيّة كي لا تعتقلها الميليشيات اليمنيّة.

أقرأ وأتذكر “جيش الدفاع الإسرائيلي” الذي منع الصحافيّين من دخول مدينة صيدا يوم قضى الكثير من أهلها تحت دمار بيوتهم (حزيران/يونيو 1982). أتذكر وأتساءل: ما الفرق. ما الفرق بين المعتدي الاسرائيلي واليمني الذي يعتدي على اليمني؟
في المقدمة، تحكي الكاتبة أيضاً عن الدمار في المدن التي زارتها بغية الإصغاء إلى حكايات الموت الجماعي، تفصح عن موقفها من هذه الحرب، ترفضها وترى أنَّ لا شيء “حقيقيّاً سوى الضحايا”. تنتقد بعض “مثقفيها” (مثقفي هذه الحرب ومؤيّديها) الذين لم تُثِر هذه الحرب عندهم “أسئلة أخلاقيّة”، وبالمقابل تشير إلى مثقفين يمنيّين وقفوا ضدَّ الحرب وطالبوا بالسلام، فتعرّضوا للملاحقة والتخوين تحت عنوان يصفهم بـ”الطابور التاسع” (ص 17).



هكذا وبكلمات قليلة، تعبِّر الكاتبة عن مرارتها العميقة قبل أن تترك الكلام لمن بقي من عوائل، أو أقارب، ضحايا هذا الاقتتال المدمِّر، الكلام الذي تسميه “الشهادات – الأصوات”، أو “إصبع في عين القتلة”، والذي تعتبره “ذاكرة ضدَّ النسيان، ضدَّ التجاهل، ضدَّ اللامبالاة”، والذي هو، في الآن نفسه، “عزاء وسلام لأرواح كلِّ الذين قُتِلوا وتركوا وراءهم أحبّة يتذكرونهم” (ص 19).
ثلاث وأربعون حكاية أصغت إليها الصحافيّة والروائيّة اليمنيّة بشرى المقطري. بصبر وألم أصغت إلى من رواها لها، أخ أو أب أو أم… كان قد نجا بالصدفة، نجا من الموت ولكنه بقي يعاني مرارة الفقدان وذلّ الحاجة والحرمان. ليست الحكايات التي أصغت إليها الكاتبة وقدمتها في كتاب، أخباراً تشبه ما تكتبه الصحف أو ما تقدِّمه وسائل الإعلام المرئي والمسموع، بل هي نصوص إبداعية ممهورة بهذه العفويّة، عفويّة الأصوات التي نطقت بها، وموسومة، في الآن نفسه، بهذا الحرص على ابتداع تعبيرات تقول بصدق وبساطة ألم الفقدان وعمق مرارته.

في المتن، وتحت عنوان “لم يعد الحمام يزورنا” نقرأ مثالاً للصوت الذي يحكي عن الفقدان في أجمل صوره المنطوية على أعمق المعاني مرارة. تقول مهيال: “يذكّرني الحمام بأخي. إذا سمعتُ صوت هديله، يتجّسد أخي أمجد أمام عينيَّ، أفتح شباك النافذة وأستدرج الحمام ليدخل إلى غرفتي… لكن الحمام لا يأتي إليّ… الحمام لا يحبُّني، لكنّه يحب أمجد” (ص 139).
وتحت عنوان “لكنه كان يسقط”، نقرأ ما لا يمكن تصديقه. يقول أحمد عبد الحميد سيف: “ما رأيته كان فيلماً من أفلام الرعب. أبدا ليس حقيقة. كان فيلماً دون صوت ولا ممثلين… فيلم لم يره أحد سواي في ذلك النهار: الصاروخ يطير، آتياً من جهة الغرب، ثم يسقط في بيت أخي” (ص 21). هي المفاجأة، بالنسبة لأحمد، وما لا يمكن أن ينتمي إلى الحقيقة، حقيقة الواقع، وواقعيّة الحدث، وما يُعجز تفسيرُ حدوثه لأنه يستهدف المدنيّين.

تتنوع الحكايات، تتعاظم المآسي وتعمّ، توجعنا قراءتُها ولكنها تُمسك بنا كأنَّ قراءتها، كما الكتابة عنها، مشاركة في المعاناة وعزاء في الفقدان. أقرأ:
“فُتح باب البيت وأدخلوا بناتي وحفيدتي محمولات بالمحفات”. عاتكة أمين (ص 168).
“أغسل الدم الآن، ويتردّد في مسامعي صوت جرسٍ ما حزين، وأقول: أبداً ليست وداد، لقد أخذوها مني” (تصمت). الأم فاطمة علي فاضل المصباحي. (ص 177).
“هل تتخيّلين ذلك؟ فجأة يختفي بيتك بمن فيه، تبتلعه الأرض”. الأم صباح عبده أحمد (ص 40).
“الغرفة بيضاء يا زيد، مرتبة ونظيفة كما كانت غرفتك في بيتنا”. الأب أحمد حسن الضبيبي (ص 1709).
“هذه ليست حربا يا ابنتي، هذه قيامة”. الأم خديجة محمد حسن. (ص 161).
“أخذوا منّا كلَّ شيء، حياتنا كانت جميلة كحلم أبيض، لم يتركوا لنا سوى المرارة”. رهيب عبد الكريم الحميد (ص 145).

في الهامش نقرأ نصَّ الكاتبة التوثيقي الذي يؤرخ بدقة وإيجاز للحدث: الساعة، النهار. الشهر، السنة، الجهة التي أطلقت النار أو الصاروخ، المكان، الضحايا العوائل بعددهم وأسمائهم وأعمارهم. حكايات حكاها من بقي، صدفةً، من حرب مدمِّرة، أخ أو أخت أو أب أو أم، أو قريب…
ثلاث وأربعون حكاية صاغتها الكاتبة بأمانة لمنطوقها الشفهي الحيّ مقدِّمة بذلك لغةً للسرد الشفوي نابضة بالحياة، لغة هي إثراء لأدبنا العربي، ولسردنا الروائي بشكل خاص، وهي في الآن نفسه، ذاكرة حيّة عن الفقدان والمفقودين، وراية سلام مرفوعة ضدّ الحروب وما تعنيه من قتل وتدمير.

هكذا، وربما تدعيما لراية السلام هذه، توثّق الكاتبة في نهاية كتابها، لثلاث مئة وخمس وأربعين عمليّة اعتداء: قصف بالطائرات وقصف مدفعي… بدءاً من 26 آذار (مارس) 2015 وحتى 29 أيلول (سبتمبر) 2017، مع ذكر الجهة المعتدية (التحالف والحوثيون)، واسم المكان الذي استهدفه القصف (منزل، مصنع، سيارة، حافلة، قارب صيد، قرية، سوق، مصنع، جامع، جسر…) وأسماء الذين قُتلوا أو أصيبوا، وعددهم. توثِّق… علّ مثل هذا التوثيق يردع ويضع حداً للتدمير والقتل ونزف الدماء!
يتميز هذا الكتاب بأسلوبه السردي دون أن يكون رواية، وبتوسله التدوين والتوثيق دون أن يكون مدَّونة أو وثيقة. إنه كتب في كتاب، يقدم معرفة بمأساة يعيشها أهل بلد عربي عرفتُه عريقاً في تاريخه، جميلاً وفناناً في عمارته، راقياً في سلوكه، كريماً في ضيافته، عابقاً برائحة البن والياسمين. كتاب يفسح مجالاً واسعاً لأصوات حيّة، أصوات تحكي معاناة التشرّد والجوع وألم الفقدان. أصوات تأتي بها الكاتبة إلى الكلام من “بلاد الحرب المنسية”، علَّها تمنحها مساحة وجود ونفساً من حياة. أو لتكون، كما تقول في نهاية مقدمتها: “ذاكرة ضدَّ النسيان، ضدَّ التجاهل، ضدَّ اللامبالاة…” .
يؤلمنا ما نقرأه في هذا الكتاب، لكنّه يثري معرفتنا بما يقدمه من وقائع، كما يثري أدبنا بلغته، لغة المعيش الحية، الطازجة الممهورة بنبض الموت والحياة.

بشرى المقطري: “ماذا تركت وراءك؟ أصوات من بلاد الحرب المنسية“
دار رياض الريس، بيروت 2018
270 صفحة.

الملعب: حذرت الكاتبة التشيلية الشهيرة إيزابيل الليندي من أن "القيم والمبادئ التي تسند حضارتنا، هي اليوم تحت الحصار". وكانت الليندي، صاحبة الرواية الشهيرة "بيت الأرواح" تتحدث في حفل توزيع الجوائز الوطنية للكتاب حين انتقدت أيضاً "صعود النزعات القومية والعنصرية" في عالم السياسة. ومنحت الليندي جائزة عن »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2014 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com