آخر تحديث للموقع : 13 - ديسمبر - 2018 , الخميس 07:42 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

المياه القذرة [ترسمُ مستقبلنا]

22 - سبتمبر - 2018 , السبت 08:05 مسائا
438 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةثقافة ⇐ المياه القذرة [ترسمُ مستقبلنا]

الملعب:
في الوقت الذي تغرق مدننا، من بغداد إلى العاصمة الجزائرية مروراً ببيروت، في الروائح المنبعثة من مخارج مياه الصرف الصحي، تدور عجلات 36٪ من باصات النقل الداخلي في العاصمة السويدية ستوكهولم بوقود منتج من مياه الصرف الصحي. هذه المياه تخمّر في أحواض تم تأسيسها عام 1941، ويصنع منها الغاز الحيوي أو العضوي. كان يتم تكرير أكثر من 850,000 متر مكعب من المياه المستخدمة والمخلفات البشرية ودهون المطاعم سنوياً، وينتج منها الوقود بعد عملية التخمير لغرض التدفئة، إنما تحول الاهتمام منذ نهاية القرن العشرين إلى وسائل النقل الداخلي، وذلك من أجل التخلص من غاز ثاني أوكسيد الكاربون المنبعث من حرق الوقود الأحفوري.

تقول محافظ العاصمة السويدية ستوكهولم، كاترين فانغراد، خلال الجلسة الافتتاحية للأسبوع العالمي حول المياه نهاية شهر آب/اغسطس الماضي، “لم يُرسم مستقبلنا بعد ولا أحد يعرف شكله، إنما نحن على يقين بأن المياه هي التي ترسمه”.
لا ينبع كلام كاترين فانغراد من كون ستوكهولم محاطة بالمياه ومساحات زرقاء جميلة، إنما من تجربة بيئية فريدة من نوعها في المدينة، حيث تم تحويل المياه القذرة والمخلفات البشرية ودهون المطاعم إلى طاقة نظيفة ومتجددة. ومن حيث المسؤولية البيئية تجد ستوكهولم نفسها في صعود دائم أمام التحديات البيئية، ذاك أنها قادرة على الاستثمار في المياه المستخدمة من خلال تطبيقات حضرية وعمرانية نابعة من “الحلول القائمة على الطبيعة” Nature Based Solutions. وتستوجب الحلول المستوحاة من الطبيعة، أو القائمة عليها، استغلال المستدام للموارد الطبيعية وتسخيرها، لدعم النمو الاقتصادي طويل الأمد ليشمل الصحة البشرية وسبل العيش وإصلاح النظام البيئي، ناهيك بالتنوع الحيوي وحمايته. وتنتج المدينة اليوم، 40 في المئة من طاقتها الكهربائية من المصادر المتجددة، وذلك من خلال إعطاء حياة ثانية للمياه المستخدمة بطريقة نادرة حيث توفر الوقود النظيف لثلث باصات النقل الداخلي.

إضافة إلى هذه السياسية البيئية- العمرانية التي بدأت دول أوروبية أخرى بانتهاجها مثل بريطانيا عام 2015 ومن المفترض أن تقلدها فرنسا خلال السنين المقبلة لتوفير 20 في المئة من الوقود الحيوي للنقل الداخلي، تعمل الحكومة المحلية للعاصمة السويدية على مشروع بيئي آخر تحت عنوان “برنامج التنمية العمرانية المستدامة”. ويعتمد هذا المشروع، الذي من شأنه منح ستوكهولم الريادة بين “المدن الذكية”، على خمس استراتيجيات أساسية وهي: المدينة النابضة، قرب الخدمات من المواطنين وفرص الوصول إليها، كفاءة استخدام الموارد والمسؤولية البيئية، إفساح المجال أمام عمل الطبيعة، وأخيراً المشاركة والتشاور.

بناءً على الاستراتيجيات الخمس المذكورة، قررت إدارة المدينة إغلاق أهم منطقة صناعية فيها لإنتاج الغاز الطبيعي، وتحويلها إلى منطقة سكنية وفق نظرية الحلول القائمة على الطبيعة، وهي منطقة ميناء ستوكهولم شمال شرقي المدينة، حيث كانت مقفلة أمام حركة المواطنين قرابة مئة عام. لقد منحت هذه النافذة البحرية التي تم تسخيرها لإنتاج الوقود الأحفوري لقرن كامل، حياة ثانية وتم تحويلها إلى أهم منطقة سكنية قائمة على أسس “عمران أيكولوجي” من شأنه جعل المدينة من بين المدن الكونية الذكية فيما خص حماية المياه، النظام البيئي والتنوع الحيوي. يتحدث القائمون على مشروع Stockholm Royal Seaport عن تقليص 60 في المئة من الغازات المنبعثة من حرق الوقود الأحفوري، وذلك بسبب إزالة هذه المنطقة الصناعية وتحويلها إلى فضاء عمراني- بيئي، بدأ العمل فيه عام 2009. ومن المرجح أن تتحرر المدينة من الوقود الأحفوري بالكامل بحلول 2030. كل ذلك من خلال الاستثمار في المياه.

موت المدن الرومانسية
لا مكان للسرديات الرومانسية على خارطة المدن المستقبلية الذكية، من دون إدارة رشيدة للمياه التي تعد العامل الأهم في نشوء الأمم والحضارات وسقوطها، ذاك أن 70٪ من سكان العالم سيعيشون في المدن بحلول عام 2050 ويتضاعف الطلب على المياه قبل أي شيء آخر. والحال هذه وبسبب ندرة المياه، ستواجه مدن عالمية كثيرة الواقع ذاته الذي واجهته عاصمة جنوب أفريقيا، كيب-تاون حين أعلنت في حزيران/ يونيو الماضي ساعة الصفر مائياً، وتم تحديد 25 ليتراً للفرد يومياً.

إنه المستقبل الذي تشارك في رسمه المياه، حتى القذرة منها.
ارتباطاً بما ذكر حول دور السياسة المائية، والبيئية- الحضرية القائمة على الطبيعة في مقاومة التحديات، الاستمرار والمشاركة في رسم المستقبل، يمكن القول إن أحوال مُدننا تزداد تفاقماً بسبب انعدام سياسات مائية- أيكولوجية قادرة على معالجة مياه صرفها الصحي وتكريرها، ناهيك بانعدام استراتيجيات حماية مصادر المياه النظيفة. في العاصمة العراقية بغداد وغيرها من المدن الواقعة على نهري دجلة والفرات، تدخل مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى النهرين، وتدخل مياه الصرف الصحي والصناعي في مدينة السليمانية إلى بحيرة دربنديخان.

في لبنان، أصبح نهر الليطاني بؤرة للتلوث بسبب التعديات المتمثلة في وضع مكبات النفايات على النهر وتحول مياه الصرف الصحي ومياه الصرف الصناعي غير المعالج نحوه، ناهيك بتعديات أخرى أدت إلى حال اختناق غير مسبوقة تواجه أطول وأهم نهر لبناني وهو نهر الليطاني.
هذه هي أحوال مُدننا حيث تنتشر في بعض منها أمراض الكوليرا بسبب المياه، كما هي الحال في البصرة جنوب العراق وصنعاء والجزائر العاصمة. ولا بد من الإشارة هنا إلى محطة “خربة سمرا” في المملكة الأردنية التي تعتبر من أفضل مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي في الشرق الأوسط، وهي تقوم بإعادة تدوير المياه الثقيلة لسكان محافظتي عَمّان والزرقاء وتحويلها إلى سد الملك بن طلال. وصار الآن بإمكان الأسماك والكائنات المائية أن تحيا بشكل طبيعي في النهر الذي ينبع من المحطة بعد التصفية.

قصارى الكلام، ترسم مياه الصرف الصحي مستقبلاً آخر لمُدننا، وهو مستقبل، إن بقيت الأحوال كما هي، سيكون مثقلاً بالتلوث، الأمراض، البطالة، الضيق والعنف واللا استقرار. ولا يسند التاريخ وعراقة الماضي تلك المدن، كما لم تسند الطبيعة الخلابة كيب- تاون الأفريقية حين وقف سكانها في طوابير طويلة للحصول على المياه.
ـ (درج) / خالد سليمان

الملعب: يعاني الأديب اليمني صراعاً وجوديّاً رهيباً في ظل الحصار الخانق الذي تفرضه دول «التحالف» على اليمن منذ أربع سنوات، فهو محروم من السفر، محروم من حضور الندوات والمؤتمرات العلمية العربية والدولية بسبب الإجراءات الصارمة التي تعيق سفره وتنقله، فضلاً عن عدم السماح بمرور الكتب والمطبوعات إليه. هذا »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2014 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com