آخر تحديث للموقع : 20 - أكتوبر - 2018 , السبت 06:46 صباحا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

رواية "وحي" بين التكنولوجيا والميثولوجيا دهرٌ وهاوية : حبيب سروري: اليمن [يغرق] وشعبه ينتحر جماعياً

20 - سبتمبر - 2018 , الخميس 06:08 صباحا
213 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةثقافة ⇐ رواية "وحي" بين التكنولوجيا والميثولوجيا دهرٌ وهاوية : حبيب سروري: اليمن [يغرق] وشعبه ينتحر جماعياً

الملعب:
حبيب عبدالرب سروري، كاتب وروائي يمني، وأستاذ جامعي في علوم الكمبيوتر في الكلية القومية للعلوم التطبيقية في مدينة روان الفرنسية. له العديد من الأبحاث والكتب العلمية باللغتين الفرنسية والإنكليزية. لكن، ومع ذلكك ظل مرتبطا بالأدب والثقافة العربية، حيث أصدر كتبا بالعربية، على غرار: «لا إمام سوى العقل» و«لنتعلّم كيف نتعلم». كما أن روايته ما قبل الأخيرة «ابنة سوسلوف»، التي تُرجمت إلى اللغتين الفرنسية والإنكليزية، لاقت اهتمام وسائل الإعلام الفرنسية. وحديثا، صدرت له رواية: «وَحي» عن دار الساقي، التي لم تغب عنها المأساة التي يمرُ بها بلده اليمن. التقته «القدس العربي» في باريس وكان الحوار التالي:

■ حدثنا في البداية عن فكرة رواية «وحي»
□ فكرة الرواية أتت من عناق ملاحظتين جوهريتين، يفصلهما دهرٌ وهاوية. الأولى: هيمنة الحياة الرقمية، ابنة الإنترنت، على حياتنا اليومية، إذ صرنا نحيى معظم الوقت متوحِّدين مع شاشات الكمبيوتر، باحثين عما يختفي في سراديبه من معارف، لا نتحدث غالبا مع الآخر إلا عبر وسائل تواصله الاجتماعي، لذلك، يمكن اليوم للخيوط الأولى لروايةٍ أن تخرج من صلب وترائب هذا العالَم الرقمي. هذا ما خطّطتهُ بطلةُ الرواية «وحي»، ونفّذهُ الراوي غسّان، بدون وعي. والملاحظة الثانية: هيمنة الميثولوجيا الغيبية والأفكار الظلامية والطائفية على حياتنا العربية، اليوم أكثر من أي وقت مضى، وشلل العقل العربي بسبب ذلك. تُحدِّد ذلك، على نحو مباشر أو غير مباشر، رؤيةَ معظم الناس لقضايا العصر، للتاريخ والكون والطبيعة والمستقبل، وطريقةَ تعاملهم مع الآخر المختلِف، والعلاقة بالطغاة والسياسة. أردتُ، إذن، في رواية «وَحي» الخوض الروائي الفني في أرضيةٍ صعبة، لا يتجرأ الروائي العربي الخوض فيها غالبا: المسلمات الجوهرية لهذه الميثولوجيا، ونتائجها.

■ لكن كيف تفسر صعوبة ملامسة مواضيع الفكر روائيا منحى فنيا؟
□ نعم، كل الأبواب مفتوحة للموضوع الروائي. وبفضل ذلك لعب الأدب الحديث، ولا سيما الرواية في القرون الأخيرة، دورا في تأسيس قرن التنوير (القرن الثامن عشر) وما تلاه. وبفضل ذلك تساقط الطغاة والأنظمة التوليتارية، وتطوَّرَ الإنسان الحديث: صارت قيمُ الإنسانية والحرية والسلم والعقل والإخاء (التي حملت رسالتها الروايات الإنسانية) مداميكَ عصر العِلم وحقوق الإنسان، وما أحوجنا، نحن كعرب أكثر من غيرنا، لِسيلٍ من هذا المدّ الروائي الذي يغيّر من معالم واقعنا العربي المتقوقع، وينقله إلى عصر جديد. ولعلي بعد روايتين تنتميان لهذا المنحى هما «عرق الآلهة» و«تقرير الهدهد» (بطلها أبو العلاء المعري الذي تتجسد فيها أفكاره عن الكــــون والحياة والإنســـان، في سياق فني تخييلي خالص، لا يخـــــلو من بعض تقنيات الخيال العلمي)، وبعد كتابٍ ثقافي نال رواجا ملحوظا: «لا إمام سوى العقل»، صِرتُ ذا تجربةٍ ما في هذا المنحى الروائي الذي أتمنى أن يكون قد اكتسب نضجا جديدا في روايتي الجديدة «وَحي»، التي بين أيديكم. كل شيءٍ يتم بين دفتيها في سياقٍ فنيٍّ خالص، أبطال الرواية، كالبديعة جدا الســـورية ـ الفــــرنسية شُهد (تلعب دورا رئيسا كالراوي، بل أهم): قِطـــعٌ فنية، كما أظن وأتمنى. كما أن تناولُ المواضيع الفكرية في هذه الرواية يتخلل سياقها السردي، بين رحلاته وتفاعلاته الغرامية وهموم حياته اليومية. وليس هدفا بحد ذاته.

■ لعله إذن نتيجة طبيعية مباشرة لحدثٍ واقعيٍّ جذريٍّ عاشه الراوي، واستطاعت البطلة «وحي» استنطاقه منه، والتفتيش في ذاكرته عن تداعياته؟
□ نعم. دار حدثٌ مفصلي جوهري أثناء طفولته، في مسجد العيدروس في الحواشب في اليمن: عندما رأى في المسجد (من ثقبٍ في أعلى القبة)، خفايا مسرحيةٍ تلفيقية، تدور في المحراب، صدّقها جميع الحاضرين. من هذا الحدث انطلقت شرارة كل التساؤلات والجدل بين الراوي و«وحي». فكما في كل رواياتي، لا أبحث إلا عن تفجير التساؤلات فقط. وكلّ الآراء فيها، (مثلما عندما يقول غسّان: ابن هشام ميثولوجيا بحجم وطن)، تخرج من أعطافٍ جماليةٍ ولغوية فنية. باختصار، كل شيء يدور خلال السرد على نحو روائي خالص، انطلاقا من نواة حدثٍ تكوينيٍّ في مسجد العيدروس. ثم، بعد ذلك، من صلب واقع حياتنا العربية واليمنية: مسرح الرواية، وكل أحداث وتفاصيل الرواية تخرج من ثنايا هذا المسرح.

■ من خلال قراءة هذه الرواية «وَحي»، لاحظت أن زمنها يعبر حوالي نصف قرن ما دلالات ذلك؟
□ زمن الرواية هو كل هذا الامتداد التاريخي، منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم، والذي يحتضن في الحقيقة معظم رواياتي. لعلّ المهمة الأولى لأي رواية، إن كان للرواية مهمة، هو سرد سيرورة الزمن، وتماوجات وتقلبات الطبيعة الإنسانية خلاله.
وفي «وحي» ثمّة شخصيات عدّة تتغيّر بما لا يخطر على بال أحيانا. أهّمها عبدالقهار الذي صار اسمه «قهاروف» في معمعان الزمن الماركسي اللينيني اليمني، ثم «الشيخ الدكتور عبدالقهار» اليوم، صاحب «براءة اختراع جهاز طرد الجن والشياطين بالواي فاي»، وأخوه عبدالباري: ضحية الإيمان الساذج بمسلمات الثقافة السائدة التي اختلطت فيها الرؤى الغيبية الظلامية في طفولة الراوي، بالأفكار الاشتراكية لاحقا.
عبدالباري الذي ذبح ابنه الصغير في الرواية، أمام باب المسجد بعد صلاة الفجر (كما حصل فعلا في إحدى القرى اليمنية)، استجابة لِحلمٍ ليليٍّ، على غرار وحي الأنبياء، دُعيَ فيه لِقتل ابنهِ الصغير بالساطور الإبراهيمي، ودفنِه مع مسدسه الشخصي في القبر، ليكون أضحية تنتهي بعدها آلام العالم وحروبه. وثالثهما، ولو على نحو مختلف: الراوي.

■ إلى جانب هذا الزمن الروائي التقليدي، نلاحظ أيضا نوعا من الهوس يجثم على رغبات الراوي: رؤية الماضي العتيق، كما حصل فعلا. قبل أن يتحوّل هذا الهوس لاحقا إلى هوس لرؤية المستقبل البعيد.
□ فعلا.. علاقة الراوي برؤية التاريخ واستشراف المستقبل، كبعدين زمنيين إضافيين، (بجانب البعد الروائي التقليدي: الحاضر) مهمة أيضا. وهوَس رؤية الماضي كما مرّ فعلا، وليس كما يحكيه الفقهاء والراوون، ملتصق جينيَّا بغسان، لاسيما منذ رؤيته، من ثقب قبّة مسجد العيدروس، خفايا تلك المسرحية التلفيقية. سقط بعد ذلك في دماغه جدارٌ ما، وتغيّرت معظم مسلماته الثقافية. لعله هوَسٌ مهمٌ وجوهري في الحقيقة، بسبب تفعيل غسّان لدور العقل، ورغبته في البحث عن الدلائل الواقعية لبرهنة الأحداث التاريخية، وإيمانه بالتاريخ العلمي فقط، وليس بالتاريخ الميثولوجي الديني. وبسبب قناعاته بأن من يفرض رؤيته للماضي يستطيع استقطاب الناس نحو مشروع طريقه إلى المستقبل: كل الحروب الروحية بين التنوير والظلمات تقع في هذا المزراب الزمني، وفي ميدان هذه العلاقة الديالكتيكية بين تقديم سيناريو أيديولوجي للماضي يؤمن به الناس، والسيطرة على مفاتيح المستقبل الذي يلائم الأيديولوجية.

■ ثمة أيضا صدمة كبيرة رجّتْ على ما يبدو حياة الراوي، في نهاية 2017، جرّاء بعض الأحداث الدموية في اليمن، التي استقرّ عنده الرأي بعدها على أن «حاضرنا هو ماضينا أساسا»، لعدم وجود قطيعةٍ مع مسلماتنا الثقافية العتيقة! كيف خلص الراوي إلى هذه النتيجة؟
□ صحيح، لقد انقلب هوسه الزمنيّ حينها وتحوّل، بعد هذه القناعة التي أعقبت الصدمة، إلى كراهية للتاريخ وتوقٍ هروبيٍّ لمعرفة كيف ستكون البشرية في المستقبل. الصفحاتُ التي وصف فيها غسّان عام 7777 تُجْلي هذا الهوَس الجديد، كردِّ فعلٍ لخيبته من تشابه ماضينا العربي وحاضرنا. ويلزمني أن أضيف: لهذا الهوس بمعرفة معالم مستقبل البشرية، في هذا الزمن الرقمي الغامض، ابنُ عم: هوَس روايتي السابقة «حفيد سندباد» وهي تتخيّل المستقبل القريب للبشرية، في عام 2027، بعد أحداث رهيبة هزّت كل العالم. كما أن الراوي يراقب ويعيش كل الحروب التي قادت إلى واقع اليمن المتشظي المدمّر اليوم، بدءا بحرب 13 يناير/كانون الثاني 1986 التي أطاحت بتجربة جنوب اليمن الاشتراكي، التي تفاصيلها ويومياتها إحدى أهم تجارب مختبر أفكار الرواية. تليها حرب 1994 التي تمّ غزو جنوب اليمن خلالها من القبائل والسلفيين الذين قضوا على أهم الإنجازات الاجتماعية في مدينةٍ كانت كوزموبوليتية رائدة: عدَن. لعله الجرح الثاني الذي قاد لهذه الحرب الطائفية الجديدة التي تمزّقُ اليمن منذ 4 أعوام، الأبشع والأكثر تدميرية في تاريخه، والتي اختلط فيها عدوان داخليٌّ حاقد فتح أبوابه تحالف الرئيس المخلوع مع عصابة كهنوتية ظلامية إماميّة (الحوثيين)، بِعدوانٍ خارجي يقوم به التحالف السعودي الإماراتي الذي أكمل تدمير اليمن، ولم يقدم لبنائه شيئا.

■ من خلال الاطلاع على بعض روايتك، يتضح أن لك مع المكان علاقة حميمية، ويبدو أن لا مكانَ للمكانِ في رواياتك عموما بدون علاقةٍ ما باليمن وعدَن.
□ فعلا، صار هذا المنحى الأخير واضحا في رواياتي الأربع الأخيرة، منذ رواية «أروى». فبعد أن كانت هذه الأخيرة رواية بلا مركز جغرافي محدد، تتناثر في أماكن عالمية شتّى، تحوّل نموذج المكان في رواية «وحي»، التي بين أيدينا، إلى أرخبيلِ مدنٍ عالميّة، لليمنِ موقعٌ خاص فيها: تبدو مدن العالَم أشبه بإلكترونات الذرة، فيما اليمن وعدَن مركزها. يعيش غسّان نصف العام خارج اليمن، ونصفه في معمعانه. هو ابن اليمن وابن العالَم معا. التنقل بين المركز والأرخبيل، وتلاقحهم، لا يتوقف في «وحي». وأبرز الأماكن التي تدور فيها الرواية خليج نابولي وأرخبيل الغلاباغوس لهما علاقة عضوية باختيارات الرواية واتجاهاتها وأحداثها. الربع الخالي وأماكن مختلفة في اليمن شديدة الحضور أيضا لأسباب روائية أخرى.

■ بالحديث دائما عن اليمن والمواطن اليمني الذي يتألم في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. أين هو المثقف اليمني مما يحصل.. أليس هو الآخر أحد أسباب هذا الخراب؟
□ اليمن يغرق، وشعبه ينتحر جماعيا. حاولتِ الرواية التسلل الفني في الطبقات الجيولوجية الأعمق للثقافة الظلامية السحيقة الراسخة (ليس في اليمن فقط، ولكن عربيا عموما) التي قادت لهذه التراجيدية اليوم. ولعلها راقبتْ فنيا سيرورة الخراب، خلال سردها ليوميات اليمن خلال نصف قرن حتى نهاية عام 2017. فعندما تتحالف ثقافةٌ تجاوزها العصر مع السياسة والسلاح (كما حصل عندما تحالف المخلوع مع المتطرفين السلفيين في 1994 و2014) يكون المد السلفي القبلي الذي أطاح بالمكاسب الاجتماعية في عدن بعد حرب 1994، أو هذا الذي يريد عودة الإمامة و«عصر الولاية» في صنعاء، منذ 2014، عبر الحوثية، بالسلاح والبطش والتدمير الذي نعيشه اليوم. الطبقة السياسية اليمنية من مومياواتٍ فاسدة تغيّرُ معاطفها، وتفتح أحضانَها لأقطابِ هذه الثقافة الظلامية، تتحمل المسؤولية التاريخية الأولى طبعا. لكن على المثقفين مسؤولية مضاعفة عندما يصمتون أمام كل هذه الجرائم والانتهاكات اليومية خلال نصف قرن من تاريخنا. كارثيٌّ وجبانٌ مثلا كان صمتُ المثقفين مثلا عندما اجتاح المخلوع جنوب اليمن في 1994، سرّح من وظائفهم وامتهن عشرات آلاف من الكوادر، وقضى على المكاسب الاجتماعية المدنية الجنوبية اليمنية. صمتهم كارثيٌّ وجبانٌ أيضا اليوم إزاء الإهانات في الجنوب للمواطنين ذوي الأصول الشمالية وطردهم أحيانا، وإزاء تصاعد مدّ الهويات المنغلقة المتناحرة، وإزاء اغتيال الشباب المدني المستنير، مثل أمجد عبدالرحمن، من قبل السلفيين الإرهابيين الذين يقودون أمن عدَن، لمجرد أن المتهم بالقتلِ ينتمي لقوى داكنة، لهؤلاء المثقفين علاقةٌ سياسية بها. نعم عزيزي، مريعٌ صمتُ المثقف العربي عموما أمام طغاةِ أنظمتــنا التوريثية، المستعدِّين لاغتيال نصف شعوبهم كي تبقى بلدانُهم ملكَ العائلة الحاكمة أو الطائفة الدينية السائدة. وأمام ثقافة الظلمات التي كانت دوما سندَ الديكتاتوريات، حليفَها الأول، ووسيلتَها لوأدِ الثورات واغتيال أحلام الديمقراطية والحرية والمدنية والتقدم. بل مريعٌ جدا، لأن المثقفَ الضميرُ والفنارُ والبوصلة.
والحرب الروحية ضد ثقافة الظلمات مهمةُ المثقفِ المقدسة. و«الحرب الروحية لا تقل شراسة عن معارك الفرسان»، كما يقول آرثور رامبو.
ـ باريس ـ «القدس العربي» من آدم جابر

الملعب: أعلنت جائزة مان بوكر البريطانية فوز الكاتبة "آنا بيرنز" بجائزة هذا العام لتكون أول أيرلندية شمالية تفوز بها. وفازت آنا بيرنز بالجائزة عن روايتها "بائع الحليب" أو Milkman، والتي تتناول قصة علاقة فتاة صغيرة مع رجل كبير متزوج، وتجري الأحداث في مدينة لم تسمها في أيرلندا الشمالية في مجتمع قريب »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2014 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com