آخر تحديث للموقع : 21 - مايو - 2018 , الإثنين 11:17 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

"الملكة المغدورة" لحبيب عبد الرب سروري: ذاكرة اليمن و[رياضيات الجنون]

18 - ديسمبر - 2017 , الإثنين 12:43 مسائا
1438 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةثقافة ⇐ "الملكة المغدورة" لحبيب عبد الرب سروري: ذاكرة اليمن و[رياضيات الجنون]

الملعب:
«إن تمثيلية مكونة من مشهد مأساوي يتكرر خلال قرون (سبتية) عديدة، أقل أصالة من تلك التي يغزو المشاهدون خلالها خشبة المسرح، ويحطمون الديكور، ويذبحون الممثلين، ويمثلون مسرحية أخرى يذبحون فيها بعضهم بعضا بدون رحمة».

حول الملكة الجريحة، سيدة الشطرنج، المذبوحة من الوريد إلى الوريد، والمقطوعة إلى نصفين، ملصقين بسبعة أشرطة لاصقة، وعلى رقعة الشطرنج التي تنتمي إليها، تدور معارك رواية حبيب عبد الله سروري، «الملكة المغدورة» (دار الساقي، 2017). تنطلق الرواية من «مقهى الشهداء» في الشيخ عثمان، أحد أحياء مدينة عدن، وتتهادى إلى نهايتها في مستشفى في مدينة روان الفرنسية، بين ملكتين على حافة الموت، ملكة الشطرنج، وأم الراوي التي يجهز عليها السرطان، وبين دفتي الموت تنساب سردية سروري عن عدن، وأحيائها وروائحها، وغبارها، ونهرها الزائف، وقططها المنقرضة، وجماهيرها التي «كلها ماركسية»، ليكشف عن تقلبات التاريخ على المدينة وسكانها.

الشطرنج ليس مجرد لعبة، تتوحد فيها صرامة الرياضيات وبلاغة الشعرية، في تناغم يعشقه، بطلنا، ناجي، ويجيد اللعب به، صديقه عدنان، بل ساحة لحرب المعاني في اليمن، الذي لا يعد أحدا يذكر متى كان سعيدا. فأصحاب مبادئ الديالكتيك، ونفي النفي، وصراع الأضداد، من رجال الحزب، وبفعل مسحة «ماوية»، لا يرون في اللعبة سوى ميل إقطاعي للدفاع عن الملك، أما الأب، الشاعر الصوفي، الهائم في العشق الإلهي، وسحر البلاغة، لا يرى في ملكته، سوى، اللات، مثال الشر، ذات الألف وجه، الوثن المعبود منذ فجر التاريخ: «من لعب الشطرنج في الدنيا، لعبه في نار جهنم بحجارة من نار».

تتداعى سردية رواية، سروري، الروائي اليمني والبروفيسور في علوم الكمبيوتر، التي خطها بالفرنسية، في لغة، تسبر التناغم الواحد الذي يتخلل الشعر والجبر، «فلو كان الشعر يتلاعب بالبني المجردة، لكان ببساطة نظريات في الجبر، ولو كان الحلم والمشاعر في عمق اهتمامات الجبر لتحول دون ريب إلى شعر». تتهادى ترجمة علي محمد زيد للرواية، من الفرنسية إلى العربية، التي يخيل للقارئ أمامها أن النص الأصلي كتب بالعربية ولها، لتكشف في سلاستها وجزالتها، عن كيف للشعر أن يكون جبر القلوب، وللجبر أن يضحى شعر الفكر، عبر قصة غرام ناجي، بساكنة المنزل 373، ابتهال، وهوسه بالأرقام الأولية، وهندسة فيثاغورس، والدوائر والأقطار ونقاط التماس، التي تصبح طريقه إلى بيت محبوبته وقلبها. لكن ظهور «حشوان»، «الراعي، الذي كان العالم في أعماق نفسه منقسما بين طبقتين متمايزتين من المتطابقات الرياضية: الرعاة والكباش»، في حي الشيخ عثمان، يأتي حاملا معه رائحة الخوف والموت وأسئلة بنكهة الرعب لطلبة مدرستها، إذا كانوا قد قرأوا خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء للرفيق لينين، وتحريرا لبطلنا ناجي من كل أصدقائه الذين سمموه «بتساهلهم على المستوى الأيديولوجي»، وبكراهية هي الأشرس نحو صديقه عدنان.

«نموت في اليمن كما نشرب الماء. الموت في اليمن حي ويومي وعادي وجوده طاغ. فإن لم نمت من طلقة في الرأس، متنا ببساطة. سبب الموت قليل الأهمية». يلاحق الموت الجميع، والكل، حتى حمامات الحي تفترسها ثعابين حديقة الحيوان، أمام جمهور نهم للقسوة، وكلابه الضالة، تتقيأ أحشاءها دما مطحونا بسم سيارات البلدية، لحما مفروما مخلوطا بمسحوق الزجاج. ينال الموت من الحبيبات في ليلة زفافهن، ومن الأصدقاء الذين يقتل أحدهم علي يد حشوان، بعد تعذيب، تمنع قسوته الراوي من سرد تفاصيله.
لكن سروري، لا يكتفي بتسجيل مرثية طويلة لعدن، ويمنها، على لسان ناجي الذي يهرب من كل هذا الموت، في النهاية، إلى مدينة «روان»، بل يبغي طرح السؤال، عن منطق لكل هذا: «من سيفسر الجنون؟ من سيتوصل إلى اكتشاف رياضيات الجنون؟ وكذا يبغي إجابته أيضا في معادلات، تتكشف فيهما المأساة وتتجرد حتى يتضح هولها ناصعا بسيطا وصادما. حين نجعل الموت عاديا (م)، ونزرع الشك (ش)، لا نحصد إلا نتيجة مشعة وأكثر منطقية هي الكارثة (ك)»، إذن فإن م * ش = ك. لكن «إذا رفعت ناتج الطرف الأيمن من المعادلة أس كاف من فقدان الذاكرة (ف)، حصلت على إمكانية كبيرة بأن تعيش في الكارثة حتى ما لا نهاية (ك ن): (م *ش) بأس ف = ك ن».

يكتب سروري، وبطل روايته ناجي، من روان، من «على بعد ستة آلاف كيلومتر من عدن»، محاولا أن يمنع تلك الذاكرة أن تفقد، وأن تظل حية، ومجروحة كملكة شطرنجه المغدورة عسى أن تتوقف الكارثة اليمنية عن الحدوث، وألا تتكرر مشاهدها المأساوية، جيلا بعد جيل، وإلى ما لانهاية.
- القدس العربي/ شادي لويس
٭ كاتب مصري

الملعب: اكتُشف في منطقة سقارة جنوبي القاهرة مقبرة كبير قادة الجيش المصري القديم في عهد الملك رعمسيس الثاني، ويدعى "إيورخي". وقالت علا العجيزي، رئيسة البعثة الأثرية بمنطقة سقارة، التابعة لكلية الآثار جامعة القاهرة، إن المقبرة كبيرة الحجم وتحتفظ بالكثير من النقوش الهامة التي تبرز علو مكانة الرجل، »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2014 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com