آخر تحديث للموقع : 18 - يوليو - 2018 , الأربعاء 06:37 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

سؤال التاريخ .. إجابة المستقبل عن الملاحي و سؤال تاريخ (حضرموت) الثقافي

28 - ديسمبر - 2015 , الإثنين 07:38 صباحا
1441 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةد. سعيد الجريري ⇐ سؤال التاريخ .. إجابة المستقبل عن الملاحي و سؤال تاريخ (حضرموت) الثقافي

لعل الأستاذ الباحث في التاريخ الأديب عبدالرحمن عبدالكريم الملاحي من تلك الشخصيات التي نحتت تمثال صورتها بإزميل خاص، ولأنه كذلك فقد اتخذه الآخرون أنموذجاً، ومرجعاً معتداً به، لما له من موثوقيةٍ في غير حقلٍ من الحقول الثقافية والأدبية التي نذر حياته لها، بإخلاص حتى آخر رمق.

ولعل المتأمل في سيرته، يقف على ملامح بارزة في شخصيته،استطاع بها أن يكون أستاذاً بلا لقب أكاديمي، وأن تكون له مكانة رمزية في حضرموت أدبياً وثقافياً في العشرينية الماضية على وجه التحديد، بما راكمه من جهود بحثية دالة على تفرده في ارتياد موضوعات، ومناطق ظلت في زوايا الظل، وهوامش الاهتمام، زمناً طويلا.

**
ولعل اشتغالات الملاحي في الحقل التاريخي خاصةً، تشف عن علاقة انسجام بين هاجسه التاريخي، وتكوينه الأدبي السردي، اللذين تماهيا في تشكيل شخصيته، ثم أسهما في توجيه زوايا نظره، ومقارباته، واتجاهاته، في البحث والتحليل والتأويل.
ولعله لذلك كانت توجهاته التاريخية الثقافية تندرج في حقل منهجي يتماس مع المعرفتين الاجتماعية والأنثروبولوجية، في سياق محاولات إجابته عن سؤال تاريخ (حضرموت) الثقافي، من حيث إنه سؤال معنيّ بتقصي الخصوصيات الثقافية في التراث والموروث الاجتماعييين، للإجابة عن أسئلة معاصرة تواجه الحاضر ثقافياً وفكرياً وسياسياً أيضاً.

في هذا السياق تبدو أهمية إسهامات الملاحي في مجال التحول من دراسة التاريخ الاجتماعي للثقافة إلى البحث في التاريخ الثقافي للاجتماع، وهو مجال تُستجلى ملامحُه في طبيعة المسار الذي اختطه لنفسه، واعياً بأبعاده، كما تدل على ذلك آثاره. فكتابه الموسوم بـ(الدلالات الاجتماعية واللغوية والثقافية لمهرجانات ختان صبيان قبائل المشقاص - ثعين والحموم)، مثلاً، يعد من الكتب ذات الخصوصية من ناحيتين: أولاهما أنه رائد في الكتابة عن "المشقاص" التي لم يُعنَ بها الباحثون، ومازالت منطقة بكراً، لم تستجلَ أسرارها التاريخية والأنثروبولوجية والآثرية والأدبية والثقافية عموماً مثلما استجليت أسرار مناطق أخرى مهمة في وادي حضرموت، على سبيل المثال.

أما الناحية الأخرى لخصوصية كتاب الملاحي هذا، فتتمثل في التفاته إلى ملمح أصيل في تكوين الهوية الثقافية لتلك المنطقة، كاشفاً عن سماتها ومفككاً شيفرات نصوصها، هو جزء من ريادته في دراستها والكتابة عنها، سواء في المجال التاريخي الذي له عنها كتابات أخرى، مثل: (المشقاص ـ تاريخ وتراث)، وغيرها، أم في المجال الأدبي ولاسيما المسرحي، إذ كان (أبوعنك) - وهو أحد ألأبطال الوطنيين المعروفين ممن قاوموا التمدد الفارسي الذي أقام مستعمراته في المنطقة، فقاومه الأهالي في حضرموت ببسالة، وطردوه من مناطقهم في الوقت الذي استسلمت فيه صنعاء للسطوة الفارسية، فما أشبه الليلة بالبارحة !.
**
ويمتد خيط الإجابة عن سؤال التاريخ الثقافي لدى الملاحي إلى اهتمامه بـ(غناء الصيادين والملاحين في حضرموت)، وهو مبحث مهم في تقصي المحمول الثقافي ودلالاته الاجتماعية، وخلفياته ورموزها الثقافية ولا سيما الدينية الممتدة في الزمان والمكان، على نحو يربط بين المكونات الجمالية والفكرية، بوصفها جزءاً من التاريخ للبنية العميقة في تكوين المجتمع الحضرمي، موصولاً بسؤال الهوية وتشكلاتها، وهو ما تجلى في مباحث أخرى تقصى فيها مكونات الهوية، كما في ورقته عن (هوية تريم الثقافية). غير أن الملاحي لا ينكفئ على الذات، وإنما يقارب تلك الموضوعات بمنهجية الباحث في علاقاتها التفاعلية، سواء ما كان منها في سياق داخلي "محلي"، أم في سياق خارجي، في إطار العلاقة بالآخر، كما في كتابه عن (الحضارم في مومباسا ودار السلام)، أو في كتابه الآخر عن (ملامح من التداخل المعرفي بين ربابنة حضرموت وعمان) أو ما كتبه عن ( معارف ربابنة جنوب الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر).

**
ولعل المتأمل في منجز الملاحي الثقافي يرى أنه في مواجهة مستمرة مع أسئلة (الثقافي)، أكثر من مواجهته المباشرة مع (السياسي)، وإنْ في سياقه التاريخي، ولعله لذلك ايضاً لم ينكبّ على مساءلة الأحداث السياسية إلا قليلاً، كما في دراسته (بالاشتراك مع الأستاذ علي حسن معيلي) عن (الصراع الحمومي القعيطي فصل من تاريخ الصراع السياسي بحضرموت في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين)، وتعليل ذلك في تصوري أن الملاحي الذي عركته التجارب، وكانت له أدوار مباشرة في الفاعلية السياسية لإحداث تحولات معينة في المجتمع، قبل أن يتفرغ رسمياً للبحث والتأليف، أدرك أن الانشغال بالأحداث إنما هو انشغال بالأعراض عن الجواهر، في لحظة تاريخية معينة، فمكنته خلفيته الثقافية الموسوعية من أن ينهج منهجاً دالاً عليه، لا شك أنه سيحظى بقراءة أهل الاختصاص، ليوضع الرجل في الموضع الذي هو جدير به موضوعياً.

ولعل في تدشين مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر برامجه وأنشطته بندوة عنه على وجه التحديد، ما يشي باتجاه المركز نحو النماذج الدالة سواء على مستوى الشخصيات وأدوارها الثقافية، أم على مستوى الفاعليات الرئيسة وأبعادها الفكرية والمنهجية، الموصولة بتراث له أعلامه الحقيقية ما كان مكرّساً منها، لأسباب عديدة، وما ظل مهمّشاً منها لأسباب عديدة أيضاً، في مراحل مختلفة من تاريخ حضرموت الممتدة في جغرافيا العالم.

**
وهامشاً على سؤال الثقافي الذي حاول الملاحي الإجابة عنه، أود أن أضع بضعة تساؤلات على ندوتكم الموقرة، زملائي وأساتذتي الأعزاء، آملاً أن تكون إجاباتها مدار بحث في دراسات أو مؤلفات أو ندوات ومؤتمرات أو ورش عمل قادمة:
لم يكن الملاحي في إجابته تلك يزجي أوقاته، أو يعبر عن ترف ثقافي، ولكنه كان مشغولاً بالحاضر والمستقبل، وهو يقرأ الماضي. وبالنظر إلى واقع اللحظة الراهنة، ألم يحن الوقت لقراءة الشخصية الحضرمية، بمنهجية علمية، تقوم على أسس معرفية موصولة بالاجتماعي والثقافي والتاريخي والتربوي والنفسي ...إلخ؟

لم يكن الملاحي يدور حول ذاته، الفردية أوالجمعية، ولكنه كان منفتحاً على الآخر الأقرب والأبعد على حد سواء؛ لذلك كان متوازناً وباحثاً يصدر عن معرفة نظرية وميدانية. فهل هناك استراتيجية لاشتغال ميداني – جغرافياً ومنهجياً - تعاد على ضوئه قراءة التاريخ المدوّن الذي مسته أيادٍ عديدة بالمبالغة حيناً لأغراض معينة، وبالتهميش أحياناً، كما بالطمس والتزييف في أحايين أخرى؟ .

لم يكن الملاحي ليسكت عن الإبداع الأدبي الذي له نماذج مميزة منه قصصياً ومسرحياً، لولا وعيه بأهمية البحث في التاريخ والتراث الشعبي، ولقد كان له اهتمام في السنوات الأخيرة بإعادة قراءة نماذج من الثقافة الشعبية المهيمنة، وهو ما حدثني عنه عندما كان يوالي حلقاته في عموده الصحفي بـ(آفاق حضرموت القافية). فهل تحظى الثقافة الشعبية والأدب الشعبي بمكانة جديرة بهما درساً وتحليلاً، من حيث إنهما عنصران رئيسان في تشكيل الوعي، وفي طبيعة التفاعل انفتاحاً أو انغلاقاً، على مستويات متعددة؟

**
شكراً لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، على تنظيم هذه الندوة، متمنياً أن تكون بداية لمسار حقيقي أثق أن الزملاء جديرون بإنجاز شروطه، ومعذرةً عن عدم الإفاضة والتفصيل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ورقة قدمت في الندوة العلمية "الأستاذ عبدالرحمن الملاحي و دوره التنويري والمجتمعي في حضرموت" التي نظمها مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر ، اليوم: 27 ديسمبر ، بمدينة المكلا.

هناك من تخدعه فكرة ما يسمى بالحوار الجنوبي - الجنوبي، فينساق معها كالأعمش، فيرى أن لا خلاص للجنوب إلا إذا حقق الإجماع المستحيل الذي لم ينله حتى الانبياء في هذا العالم، متناسياً أن القضية الجنوبية بمفهومها السياسي والوطني لم تعد موضع خلاف، بين من يؤمنون بها، ولكنها موضع خلاف في نظر من لا يؤمنون بها »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2014 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com