صحافية لبنانية تكتب عن ثورة [تموّلها السفارات]

29 - أكتوبر - 2019 , الثلاثاء 07:22 صباحا (GMT)
الملعب:
على هامش الثورة، انتهت صداقات كثيرة. تبيّن الشرخ في المبادئ وأتتني شجاعة جارفة لإنهاء صداقات فايسبوكية كثيرة، فيما كانت عليّ فرملة علاقات أخرى وإعادة النظر فيها. هي شجاعة “وطنية” بصراحة وليست أي شجاعة. المسألة لا تتعلّق بالحقد، لكنها مسألة خلاف جوهري في النظرة إلى الحياة والحق والوطن وإلى الموت أيضاً. فكّرت بصعوبة أن أجلس مع أصدقائي غير الثائرين وأتحدّث في أي شيء، وباستحالة أن نصل إلى مفترق واحد، حتى في ما يتعلّق بأحوال الطقس ومرارة القهوة.

ثورة لبنان اتسعت لتحضن تناقضات كثيرة، والذين لفظوها بكامل وعيهم وإرادتهم، هي لفظتهم بدورها. أصدقاء جلسات النرجيلة، أخذوني معهم إلى الساحة في قريتنا، ودلوني إلى طريق فرعي لأتنقل. تغيرت أحاديثنا. صرنا نلتقي لنتحدث عن الثورة. وحين لا نلتقي تلاحقنا الصور على “غروب” الواتساب الذي لا يهدأ.
هؤلاء لم ينزلوا في حياتهم إلى تظاهرة قبل الآن. ومنهم من كان يهزأ بي حين كنت أشارك في تظاهرات أزمة النفايات وتظاهرات نسوية. الشارع كان بالنسبة إلى كثيرين مساحة غير مألوفة، مكاناً غير مهم، وكان توبيخ هذه السلطة ومحاسبتها أمراً لا يخطر في البال. هناك من قتل فكرة الحلم، وخلق مسافة كبيرة بين الناس وشارعهم، ومضى في تفريغ البلاد من إمكاناتها. حتى صارت البلاد سائبة والأحلام مُبعدة ومستحيلة.

النزوح من بيروت إلى قرانا، المفروض علينا نحن أبناء الأرياف، كان كفيلاً بأن أمرّ بحواجز كثيرة وضعها الثوار لقطع الطرق. التقيت بشبان وشابات أعرفهم وأعرف انتماءاتهم، لكنهم نزلوا بالعلم اللبناني فقط. لاحقهم التخوين وقيل إنّ أحدهم يموّلهم وإن مناقيش الصعتر التي يأكلونها تموّلها “سفارات”. كُتب الكثير، ونُشرت صور لا تعدّ لمواطنين نزلوا ليطالبوا بحقهم، فاتهموا بانتماءاتهم الحزبية السابقة أو حتى الحالية. لم ينتبه أحد لعمق المشهد، مشهد أن يعتصم الواحد ضد الحزب أو الزعيم الذي صوّت له أو أحبّه. إنها صورة مكتملة لشعب يحاسب.
إحدى صداقاتي انتهت بعد محادثة عاتبني فيها أحدهم لأنني انتخبت فلاناً والآن أحتج ضدّه. منطق المحاسبة المفقود في رأسه والأحكام العسكرية في النظر إلى الأشياء، أنهت صداقتنا. ولست نادمة في كل حال.

لسوء حظي كان عليّ أن أسافر وأن أنسحب جسدياً من المشهد الرائع، لأترك قلبي بين رياض الصلح وزحلة والإطارات التي شاركت بإشعالها في المتن، حيث شباب لا أعرفهم، لكن الشبيه يعرف الشبيه. ووجه الشبه هنا، هو الوجع والرغبة في التغيير.
في مطار بيروت الدولي، يواصل الثوار ثورتهم. الطائرات تأخرت كلها تقريباً بسبب الأوضاع الراهنة وإقفال الطرق. لا زحمة. شبه هدوء. الناس في سيرة واحدة، “الثورة”. الفيديوات والصور كانت متواصلة، والتسجيلات المضللة والشائعات على المقلب الآخر. أخذ المسافرون ثورتهم معهم. كلهم تركوا قلوبهم على الطرق، وقد أُجبِروا على المغادرة. ثورة لبنان في الوجدان أصبحت، وليس في الطرق وحدها.

اقترب زوجان مني سألاني بخجل: “كنتِ تسمعين أخبار البلد ماذا حدث؟”. كانا ينظران إلي كمن يحدّق في خلاصه من الشك والحيرة. أخبرتهما بما وصلني بأن لا شيء تغير حتى الآن. تبادلا نظرات الخيبة. فأضفت: “بس الناس كلا بالشارع”. أتت من صوبنا صبية وسألت: “شو رح يصير هلق؟”. لم يكن أحد يملك إجابات.
ثلاث ساعات تأخرت الطائرة، وكدت أجنّ من الانتظار. ولم أستطع أن أضبط تأففي. شاب بجانبي ظل يهز ساقيه بقوة، ما زاد توتّري، قلت له: “مسيو هلكتنا”. لكنه بقي مسمراً أمام شاشة هاتفه. كان يسمع هتافات الثورة. ومن يسمع هتافات الثورة، توصد أذناه عن أي صوت آخر، مهما كان ناعماً، مهما كان أنثوياً.

إنها ثورة سفارات الأمّهات والسيدة التي موّلها زوجها المغترب لتحضّر الأرز واللحم للمعتصمين الثائرين، ثورة سفارات الصامدين تحت المطر والشمس، ثورة سفارة أختي المغتربة التي طلبت أن أصطحبها إلى طرابلس حين تزور لبنان وسألتني مليون مرة إن كان هناك أمل بأن تعود من الهجرة. ثورة صديقتي التي تسكن في الكسليك ونزلت تتظاهر في صيدا. ثورة سفارة الأمر الواقع التي تجبرنا على السفر أنا وأختاي حتى نلتقي. إنها ثورتي وسفارتي… فابعدوا أيديكم عنها أيها الفاترون والحائرون والخائفون على مشاعر رئيس هنا وزعيم تافه هناك.
(درج) / باسكال صوما - صحافية لبنانية
جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013© تصميم و إستضافة MakeSolution.com