‎علي عبد الله صالح (29)

01 - أكتوبر - 2019 , الثلاثاء 09:14 صباحا (GMT)
‎جاءت تشكيلة "اللجنة التحضيرية للحوار الوطني" لترفع من حدّة الاستقطاب السياسي، وكانت أداة الرئيس الراحل لمواجهتهم هي السلطة ومالها ونفوذها، ومعها المؤتمر الشعبي بكتلته المرتبطة بصالح أكثر من تعلقها بالتنظيم نفسه.
‎في حين ضمّت تشكيلة "اللجنة التحضيرية" ممثلين عن اللقاء المشترك، إلا أن الأغلبية النسبية فيها كانت لحزب التجمع اليمني للإصلاح وأفراد قريبين من الشيخ حميد الأحمر.

‎كان الشارع مهيأً للانفجار من دون كوابح تضبط مساراته، وفجأة جاءت الشرارة من مصر، حين تمكّن المعتصمون في ميدان التحرير بالقاهرة من إجبار الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، على تقديم استقالته في 11 فبراير (شباط) 2011، فخرجت مظاهرة في تعز تحمل نفس الشعار الشهير الذي رفعه المصريون ضد مبارك (ارحل)، ثم انتقلت المظاهرات إلى صنعاء، وكان حزب الإصلاح هو المحرك الأبرز لها بحكم تنظيمه القوي وقدرته وخبرته في الحشد، وكانت تلك هي نقطة التحول التي جعلت الشارع يبدو كأنه المتحكم في المسارات، لكن ذلك ثبت زيفه بعد ذلك.
كان النشاط السياسي ومحاولات التوصل إلى اتفاق بين صالح والمعارضة يسيران في مسار، وصفه الدكتور الإرياني في رسالة إلكترونية، بأنه "لعبة سخيفة طفولية لا يلتفتون فيها إلى مصير البلد"، ثم كتب لي في 28 فبراير 2011 أنه بدأ يفقد الأمل في إمكانية التفاهم مع اللقاء المشترك. انعكس ذلك على ارتفاع حدة الخصومة مع صالح بعيدا عن أي حسابات وطنية خالصة من الطرفين، واختلط العام بالخاص.

‎ذكرت سابقا أن الدكتور الإرياني كان يصرّح همساً لأصدقائه القريبين بأن وقت رحيل صالح قد حان، لأن طبيعته كما عرفته عن قرب هي عدم الدخول في خصومة مع أي حاكم مفضّلا الاقتراب منه حد التماهي على أمل أن يكون تأثيره الإيجابي أقوى، وقد أتاح له ذلك البقاء قريبا من صالح طيلة 33 عاما، خدمه فيها بإخلاص رغم كل مآخذه على تصرفاته وانتقاداته المبطنة لتنامي دور "الأبناء" على حساب المؤسسات، وهو ما جعله يصرّ على تقديم استقالته في يناير (كانون الثاني) 2001، بعد أن أدرك أن "الزمن قد تغيّر"، وأطلق عبارته الشهيرة "رحم الله امرأ عرف قدر عمره".
‎في 6 مارس (آذار) 2011، كتب لي "أعتقد أنه (يقصد الرئيس صالح) اقتنع بالرحيل بطريقة منظمة، لكن الثقة ما زالت مفقودة. أعتقد أن برنامجا معقولا للتحول إلى نظام برلماني وإجراء الانتخابات بالقائمة النسبية، سيكون مقبولا عنده. هذا أمر يمكن تنفيذه بحلول منتصف 2012. إن مطالبته بالرحيل الفوري غير منطقية وستقود إلى فوضى. على اللقاء المشترك التفكير بصورة منطقية وليس بالعاطفة. إذا كانوا راغبين في تغيير سياسي فيمكننا أن نجد حلا. أرجو ألا تنسب الأمر إليّ، لكن إذا رأيت أن هذا أمر معقول فلتعمل على ذلك وأخبرني بما تصل إليه. إنني أعتقد أن اليمن ليس مؤهلا للنظام البرلماني والقائمة النسبية، لكني أرى أن الأزمة كبيرة، فإذا كان ذلك مخرجا فأنا موافق".

‎حاول الرئيس صالح الخروج من المأزق بعد أن شعر بالاختناق السياسي وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية عليه للتوصل إلى اتفاق سريع، فقرر اتخاذ خطوة استباقية بالإعلان عن مبادرة للمصالحة الوطنية تتضمن الكثير من مطالب اللقاء المشترك، وقد بعث لي الدكتور بنقاطها الأساسية في 9 مارس 2011 على أن يعلنها صالح في مهرجان صباح اليوم التالي، ووصفها الإرياني بأنها "تحقّق كثيرا من مطالب المعارضة".
‎في 10 مارس، أعلن صالح عن مبادرته لحل الأزمة، وكان ملخصها الانتقال إلى النظام البرلماني، بحيث "تنتقل كافة الصلاحيات التنفيذية إلى الحكومة المنتخبة برلمانياً بنهاية 2011 بداية 2012، وتنتقل كل الصلاحيات إلى الحكومة البرلمانية"، "تطوير نظام حكم محلي كامل الصلاحيات على أساس لا مركزية مالية وإدارية"، و"إنشاء الأقاليم اليمنية على ضوء المعايير الجغرافية الاقتصادية"، و"تشكيل حكومة اتفاق وطني، تقوم بالإعداد للانتخابات بما في ذلك القائمة النسبية"، و"تشكيل لجنة عليا للانتخابات والاستفتاء". واعتبر مبادرته "براءة ذمة"، كما تعهد حماية المتظاهرين، سواء كانوا من "مؤيدي الشرعية أو المعارضة"، واعتبر موجة الاحتجاجات في المنطقة "عاصفة تستهدف العالم العربي".

‎لم تمرّ ساعات حتى كانت المعارضة قد أعلنت رفضها مبادرة صالح، معتبرة إياها "متأخرة"، وقدّرتها مؤشر استسلام لن تقبل معه بدون رحيل صالح فورا. واتّصلت بالدكتور ياسين لأعرف موقفه منها، فلم يكن مختلفا عن التصريحات التي أدلى بها عدد من قادة اللقاء المشترك، وكان هذا يؤشر إلى تصعيد لن يتوقف إلا بخضوع صالح لتسليم السلطة، ودخول البلاد حالة فراغ لم يتنبه الكثيرون من مؤيدي رحيل الرئيس إلى عواقبها المستقبلية.
‎مرّت أيام قليلة تواصلت فيها الجهود للتوصل إلى توافق دون أي تقدم، وبقي الجميع يراهن على عامل الوقت، ولكن مجرى الأحداث أخذ منحنى دمويا في صباح الجمعة 18 مارس 2011، حين وقعت جريمة بشعة راح ضحيتها أكثر من 52 شابا من المعتصمين في "ساحة التغيير" القريبة من "جامعة صنعاء". وبطبيعة الحال تبادل الطرفان الاتهامات عن المسؤولية، إذ أعلنت وزارة الداخلية أن المعتصمين هم الذين بدأوا بإطلاق الرصاص على الجنود الموجودين خلف جدار فاصل بين "الساحة" والمنطقة المجاورة، بينما قال الشهود من المحتجين إن قوات الأمن وقناصة كانوا يعتلون المباني المجاورة هم الذين أطلقوا الرصاص الحيّ على "الشهداء الشباب" دون سابق إنذار، وألقوا عليهم قنابل حارقة قبل إطلاق النار.

‎اتصلت يومها بالدكتور الإرياني، كان صوته شاحبا حزينا، وقال لي "هذا تحول خطير وبداية سيل دماء"، وأضاف أنه طالب الرئيس بسرعة الإعلان عن لجنة تحقيق جادة لأن الضحايا يمنيون بغضّ النظر عن توجهاتهم السياسية وأحقية مطالبهم، وهو ما تم بالفعل إعلاميا.
‎كان من ضمن الضحايا جنود من الفرقة الأولى مدرع، التي أعلن اللواء علي محسن الأحمر قبل الحادثة أنها ستتولى حماية المعتصمين، قبل أن يعلن هو نفسه في 21 مارس انضمامه إلى المطالبين بالتغيير، وكان ذلك حدثا فارقا في تاريخ العلاقة التاريخية الطويلة بينه والرئيس صالح وفراقا بين الرجلين جرّ ذيول آثاره إلى يومنا هذا.
‎كنت في مكتبي بالسفارة في مدريد حين ظهرت صورة اللواء الأحمر وهو يلقي خطابه الشهير وتسمية نفسه "قائد الثورة الشبابية السلمية"، وأتذكر صورة الرئيس صالح معلقة على الجدار خلفه.
‎للحديث بقية
- اندبندنت عربية
جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013© تصميم و إستضافة MakeSolution.com