آخر تحديث للموقع : 05 - يونيو - 2020 , الجمعة 09:53 صباحا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

القذارة والتاريخ.. وقف كورونا، وجلسنا لنتعلم

04 - أبريل - 2020 , السبت 06:35 صباحا
الرئيسيةمروان الغفوري ⇐ القذارة والتاريخ.. وقف كورونا، وجلسنا لنتعلم

مروان الغفوري
تواصل الصين ترديد "الحقائق البديلة"، ويتخوف العلماء من موجة وباء جديدة. دعوها تعمل، لا داعي للتشكيك في بياناتها، فنحن نريد لمصانعها أن تزودنا بالأجهزة والمعدات والمنتجات، خصوصا تلك التي نحتاجها في مواجهة الكارثة. بعد ذلك سندين ما فعلته حين جازفت بحياة الناس من أجل الإنتاج. حاليا لتهدر تلك الحيوات شريطة أن يسفر ذلك الإهدار عن بضاعة قابلة للشراء (طلبت نيويورك لوحدها ١٧ ألف جهاز تنفس اصطناعي من الصين، ومثلها فعلت باقي الولايات) ..

هذا الوباء يعلمنا ما لم يخطر في حسباننا: كل شيء مجوف من الداخل.. الليبرالية، الشيوعية، الآلهة، البحث العلمي، التضامن، الرحمة، والإيمان. قال آبي أحمد في مقالة صادمة في فايننشال تايمز: إن أفريقيا لا تفتقر وحسب إلى المشافي والمعدات الطبية، بل أسوأ من ذلك. فحتى نصائحكم عن غسل اليدين لا يمكننا الالتزام بها، فليس لدينا مياه نظيفة.
سيواصل بعضنا الكذب والآخر الادعاء. فقد تسلم بوتين، كما تنقل موسكو تايمز، رسالة من أعلى سلطة طبية في موسكو قالت له إن ٣٠% من مشافي البلاد لا تملك مياه نظيفة، و٤٠% منها بلا مصادر ثابتة للطاقة. قامت وزارة الدفاع الروسية بنشر تسجيل لقواتها المسلحة وهي تشحن الطائرات بمواد طبية! لمساعدة أميركا..
خرجنا من حقب الطاعون المتتالية وقد تعلمنا دروسا بليغة، ربما يتعلق الدرس الحالي بالموقف من الحقيقة والحرية. اندفع فوكوياما قبل بضعة أيام لإعادة التذكير بما استنتجه قبل ثلاثة عقود: الديموقراطية الليبرالية هي نهاية التاريخ، كل البدائل الأخرى مدمرة. انظروا بأنفسكم.

علمتنا دراسة ذكية نشرت في العام ٢٠١٤، شيئا هاما. قالت إن تحولا جوهريا طرأ على حياة الناس في انغلترا بعد طاعون القرن الرابع عشر. فقد لاحظت الدراسة أن ٢٠% من الناس الذين عاشوا بعد الطاعون تجاوزت أعمارهم ال ٧٠ عاما، مقارنة بعشرة في المائة قبل الطاعون. هل كان انتخابا طبيعيا؟ هل لأن الأوبئة تقتل المساكين والضعفاء؟ هل هي نازية الطابع تسحق "الآكلين عديمي الفائدة useless eaters"، هل لأن المتبقين وجدوا فرصة أفضل في الوصول إلى الطعام الجيد والمياه النظيفة؟. في النهاية الطاعون سبة، كان سبة، مثل أوبئة وآفات كثيرة. كتبت سوزان سونتاغ مطولا عن ذلك. ما هي الملاريا؟ هي مال إريا Mal area، الهواء الملوث، هي القذارة. الأوبئة هي، في آخر الأمر، القذارة. أليس كورونا كذلك؟
يمكننا القول إن الأوبئة دفعت الحضارة إلى الأمام في أوقات كثيرة. الحضارة ليست وحسب العمران، لا الطرق السريعة ولا الجسور .. الحقيقة، الوصول إليها، الحق في تلقيها ونقلها هي الشرط الأهم في أي بنية حضارية ترغب في الاستمرار.

هل جاء كورونا في الوقت المناسب؟ تذكروا، وقد كتبت ذلك سابقا، أن قرابة ١٢٣٠٠ وباء ضرب العالم في آخر ثلث قرن. كانت أوبئة محدودة، بعضها صار كوكبيا على نطاق محدود. تلك الضربات المتتالية لم تعلمنا شيئا، إلى أن نجح هذا اللعين وأخذ العالم في قبضته، وجلس ليعلمنا، أو جلسنا لنتعلم.
ثمة أمثولة في القرآن تتحدث عن مخلوقات محتجزة خلف جدار، تحاول على مر السنين الخروج وغزو البشر، إلى أن ينجح بعضها ويفتح نافذة ويحدث الغزو. هذه الأمثولة تشبه إلى حد كبير أمثولات الخيال العلمي في لونيه الدرامي والروائي. وبصرف النظر عن مصدرها وموقعها من الحياة والحقيقة، هي أمثولة تقول للناس: هناك خطر ما، وهذا الخطر دائم ولا ينام، وقد يتمكن من الخروج، ابنوا بينكم وبينه الأسوار، وتأكدوا دائما أنها متينة، من زبر الحديد.

يغزو طفيل كائنا بشريا، تقول واحدة من ألعاب الأبوكاليبس (ذات الطابع القيامي)، فيصبح الإنسان وحشا مدمرا. تواصل الطفيليات تحويل البشر إلى وحوش من خلال اختراق أجسادها. ينهار الكوكب في مشهد مذهل. العهد القديم أشار في مواضع كثيرة إلى العدوى، الأمراض، والجائحات، وهناك حوالي ١٠٠ ذكر للطاعون . لازمت هذه الظاهرة حياتنا. يقول العلم إنها شهدت انتعاشا في الفترات التي شهدت أمرين معا: انفجارا سكانيا، واتصالا مباشرا وكثيفا مع الحيوانات. نحن محاطون بالخطر، ونحن من نصلح له الطريق.
كنت أشترك في ندوة في لندن، قبل فترة. قامت برلمانية إنجليزية وقالت إنها قدمت سؤالا للحكومة حول معنى الإبقاء على المفاعلات النووية (هذه وباء أيضا، قد يلغي الحياة على الكوكب). بحسب البرلمانية: المخاطر الاستراتيجية السبعة التي حددتها الدولة الانجليزية ليس من بينها خطر واحد يمكن مواجهته بالسلاح النووي.
انحبسنا في المنازل، وجلسنا. جلسنا لنتعلم من كورونا.

الخوف من الوباء هو آلية طبيعية تتطلبها مواجهته. الخوف عملية منطقية بخلاف الفوبيا (الخوف غير المنطقي). علينا أن نخاف؟ نعم. لماذا؟ لأن الخطر الحقيقي، ولأننا لا نملك ردا عليه. وماذا عن الفوبيا، الهلع؟ هذه استجابات مبالغ فيها، نشاهدها لدى مجموعتين »
عدن

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2019 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com