آخر تحديث للموقع : 15 - ديسمبر - 2019 , الأحد 07:37 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

ألقاب وهويات!

19 - نوفمبر - 2019 , الثلاثاء 01:12 مسائا
الرئيسيةحسين الوادعي ⇐ ألقاب وهويات!

حسين الوادعي
من باب الطرافة (والتطهر) سأحكي تجربة شخصية عن تناقضات الألقاب والأسماء العائلية في اليمن.
أحمل لقب "الوادعي" وهي عائلة تنتسب الى قبيلة "وادعة" التي تقع بين القبيلتين الأكبر في اليمن حاشد وبكيل. لكن الموقع المتوسط لوادعة أدى الى نزاع تاريخي مشهور حول هل هي قبيلة بكيلية أم حاشدية. وقد استمتعت طويلا باللعب على هذا الاختلاف التاريخي عند ردي على السؤال التقليدي في المجالس العامه واللقاءات: أنت حاشدي أو بكيلي؟

في الحقيقة لم أشعر يوما انني انتمي الى "قبيلة" معينه خاصة ان نشأتي كلها كانت في المدينة، مدينة صنعاء التي جمعت اليمنيين من كل المناطق وصهرتهم في هوية واحدة هي الهوية اليمنية. لكن "التنميط" كان يفعل فعله بقوة ، وكان سهلا ملاحظة كيف يتعامل معك "الآخر" باعتبارك مقاتلا قبليا آخر من اولئك المقاتلين الخطرين (لم أطلق طلقة واحدة في حياتي من أي سلاح ناري ولا أعرف حتى كيفية استخدامه!)
بعد صعود نجم الشيخ السلفي مقبل الوادعي بدأ التنميط يتخذ منحى آخر (كل وادعي هو سلفي). وبدأت الأسئلة تدور غالبا حول الشيخ مقبل والسلفية والإسلام، وعندما كنت اكتب عن العلمانية او الديمقراطية كانت الاستغراب يأتي من ان شخصا يحمل لقب الوادعي يكتب عن العلمانية وضد الدولة الاسلامية، ولا يخلو الأمر من تعليق على شاكلة (رحم الله الشيخ مقبل، لم يكن يعرف أنه سيأتي من أسرته من يدمر سمعته ويهاجم الاسلام!)

تتغير التوازنات السياسية بسرعة في اليمن وتتغير معها الحمولة الرمزية للألقاب. في فترة الصعود الكبير لأسرة "آل الأحمر" تم تغيير التكوين الإداري لمحافظة عمران ) واضافة مناطق أخرى اليها من بينها منطقة وادعه. في ذلك الحين كان كل شيء في عمران يتم التعامل معها باعتباره "تابعا" لآل الأحمر. ووجدت نفسي بقدرة قادر منسوبا الى محافظة جديدة غير المحافظة التي ولدت فيها (حجه) وغير المحافظة التي عشت فيها حياتي وتكويني واحلامي (صنعاء). تغيرت الاسئلة ايضا. لم يعد السؤال هل انت حاشدي أو بكيلي بل صار السؤال حول موقعي من آل الأحمر بحكم انني صرت (حسب التقسيم الإداري الجديد) احد المواطنين الواقعين تحت اقطاعيتهم.

سقط آل الأحمر سقوطا دراميا في 2014 وصارت صعده الرمز الجديد للقوة. ومن حظي اللطيف ان هناك قبيلة باسم وادعه في محافظة صعدة. وهكذا حصلت على تصنيفي النمطي الجديد باعتباري ذلك المواطن القادم من وادعة صعده مع الفاتحين الجدد. لكن الأسوأ لم يأت بعد.
بعثت الحرب حساسية تاريخية مكبوتة هي الحساسية الهاشمية، ولأن بعض فروع آل الوادعي ينتسبون للهاشميين بدأت المرحلة الجديدة بالسؤال الجديد الصعب: هل أنت وادعي هاشمي أم وادعي قبيلي؟ كانت اجابتي الدائمة: انا "وادعي يمني" فلم أحس يوما انني انتمي لقبيلة معينه ولم أعش أبدا حياة القبيلة ومشاعرها. ولم أسمع أبدا أحدا في اسرتي من جيل الآباء او من جيل الأجداد يتحدث او يفتخر بأي انتماء سلالي.
لكن لأن العنصريات تغذي بعضها دفعت ثمنا نفسيا باهظا بسبب لقب لم يكن لدي يد في اختياره وتصرفات لم أشارك فيها رغم ان كتاباتي واضحة وتنتمي بصرامة فكرية الى الافق العلماني الديمقراطي الليبرالي إلا ان موسم قراءة الألقاب كان ولا زال ساخنا ومحتدما.

كان أظرف موقف يختصر عملية التنميط stereotyping والتصنيف labeling أثناء زيارتي لأحد المثقفين اليمنيين اللطفاء في مكتبة الانيق باحدى العواصم العربية. كان يتحدث عن الوضع السياسي في اليمن وأثناء حديثة توقف ليعتذر لي (شخصيا) ثلاث مرات. المرة الأولى بعد ان انتقد آل الاحمر وانتقد سهولة تجنيد قبائل عمران مع كافة الاطراف المتصارعة، والمرة الثانية عندما انتقد العنصرية السلالية التي يتم تكريسها رسميا في اليمن، والمرة الثالثة عندما انتقد نظرية الحكم عند الزيدية!

أدركت أن صديقي المثقف واقع في دوامة تنميط ثلاثية ويتعامل معي في وقت واحد وفي ذهنه المرجعية القبلية (عمران) والمرجعية العرقية (هاشمي) والمرجعية المذهبية (زيدي) مع أنني ايضا لم أدع يوما انني مؤمن بالمرجعية الزيدية كمرجعية مذهبية لشخصي المتواضع!
الهوية أمر مراوغ ومعقد فأنا ولدت في مجتمع قبلي وزيدي وأحمل لقبا له دلالات رمزية "ملغومة"، لكنني لا أضع نفسي داخل أي من هذه التصنيفات والهوية الوحيدة التي أحب أن اقدم نفسي بها للآخرين هي الهوية اليمنية. لكن يبدو إن هذه الهوية ليست كافية لتعريف الشخص بنفسه في زمن السياسات الطائفية.

في طفولته، يحلم الشاب أن يصبح طبيبا او مهندسا او معلما او رجل أعمال. احلام واقعية صادرة من شخص يحب ذاته ويؤمن باحقيتها ان تنال الأفضل. لكن التعليم الرسمي والخطاب الديني والخطاب السياسي تفعل فعلها في تدمير ثقة الشاب وفي تفتيت ثقته بنفسه. عندما يصل »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2019 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com