آخر تحديث للموقع : 15 - ديسمبر - 2019 , الأحد 07:37 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

بين مقهى ومقهى

16 - نوفمبر - 2019 , السبت 08:01 مسائا
الرئيسيةمصطفى الجبزي ⇐ بين مقهى ومقهى

مصطفى الجبزي
المقاهي هنا ملهمة جدا. لذا كتبت عنها وكأني أعيش فيها. وهي في حقيقة الامر تعيش داخلي. ضجيجها، حكايات مرتاديها، ضحكاتهم المجلجلة، وهمس العشاق، نزق عمال البناء، وكاريزما عاملي السكك الحديدية والنكات الخادشة للحياء التي تترامى كرصاصات طائشة.
كتبت كثيرا عن المقاهي. كتبت الى درجة ان لدي نصوصا صالحة لأن تنشر في كتيّب. نصوص مخصوصة عن المقاهي وكتبتها في المقاهي. تعذر نشر هذه النصوص في مجموعة ورقية منذ عام ونصف. ولم أتمكن من الإضافة عليها منذ ان تركت باريس لأجعلها كتابا كاملا كما أوصى صديق بذلك. وانا اود نشرها دون ان ادفع مقابل النشر. ومازلت احلم.

هذا العام السابع، اذهب الى الى المقهى مرتين في الْيَوْم واجلس الى كأسي خاشعا وكأني عجوز كاريبية دلفت الكنيسة وجلست تحت اقدام تمثال مسيحها المصلوب. قليلا ما أتكلم في المقهى ويزعجني فضول من يفتح الحديث معي. انظر الى الناس. وأحرج نفسي حين انظر في عيونهم ويكتشفون ذلك. فانا لا احب التلفاز وقليلا ما اشاهده. المقهى هو تلفازي المفضل.
قضيت عاما كاملا في مدينة صغيرة ساكنة هادئة وكذلك كانت مقاهيها التي حفظتها كما احفظ خطوط كفي. وفيه مقهى كان الأثير لدي. عرفته كما يعرف الواحد فقاعة اليد في كفه اثر المعول. ثم انتقلت الى مدينة اكبر.

ربما كانت المقاهي هي الدافع وراء ذلك. لكن وقعت بعيدا عن مقاهي وسط المدينة. وعلي ان اقطع ثلاثة كليومترات كي اصل الى المقهي الذي اعجبني واستقرت فيه نفسي ورأيت فيه منجم الحكايا. والا يلزمني ان اكتفي بالمقاهي المجاورة. وهي اشبه بالمقاهي في حقيقتها.
منذ ثلاثة شهور لم أتعرف الا على شخصين فقط. وكلهم كبار سن. لقد قاومت استلطاف النادلة في الصيف وكبحت فضولها لدرجة إنهاء لا تعرف اسمي بعد.
لكن قبل يومين اقترب مني رجل قصير القامة نحيل احدب الظهر قليلا كبير السن كثير الحركة نزق. استدار نحوي ورمى سؤاله في وجهي بالفرنسية : من اين انت؟ جزائري ؟ مغربي؟
جحظت عينايا. برهة ثم قلت له: يمني، من اليمن.
اها يمني. من اليمن. حاول ان يعرف اين ثم اردف: هل تشتغل؟
فهمت ان الأسئلة لن تنتهي. قلت لها. نعم ولا. اعمل في البيت.

بعد قليل قال لي " اليمن عنده السعودية. أليس كذلك؟"
تبين لي انه تركي كثير المزاح ودود وفضولي.
اما الاثنين الاخرين اللذين عرفتهما ولم اعرف اسمهما بعد - لم تتح لنا فرصة الحديث عن الاسماء - فهما عجوز كان صحفي قديم وهو متقاعد الان وحدثني عنه نفسه وسنين عمره التي قضاها في مهنة الصحافة سافر كثيرا وتعرف فيها على مشاهير منهم داليدا التي قال عنها انها جميلة طيبة لم تجد الحب الذي تستحق. وكذلك ذكر لي اسماء فنانين ورؤساء دول وحكومات. قال لي انه ينوي كتابة مذكراته فيتقدم سطرا ويتراجع سطرين. يأتي الى المقهي من حين لآخر بدراجة وينصرف.
والآخر هي سيدة ربما تبلغ من العمر الثمانيين او اكثر جلست الى طاولتي وباشرت الحديث. قالت انها تكتب اغان عاطفية وذكرت اسماء من غنوا لها وسردت حكايات كثيرة. كانت تحكي وتضحك بشكل الي.

لكن مقهى المدينة مختلف. لم اكتشف بعد سر جاذبيته. لكني وجدت فيه ضالتي. قبل يومين وجدت فيه رهط من كبار السن. ذكور متحلقون يشربون أقداح نبيذ وردي صغيرة. يثرثرون ويضحكون ضحك كالسعال.
لقد جمعوا خبرة سبعة الى ثمانية عقود من التهكم الخفيف واثارة المواقف وصنعها ومغازلة العجائز من ذات العمر. والتحرش الخفيف بالنادلات. يعاملهم النادل وكأنهم أشبال او ما دون ذلك. يوبخهم بلطف ويراجع مستوى نكاتهم ويفتح لهم طريق التسبيب نحو زبونة جديدة.
بعد السبعين تأخذ الكلمات منعرجا جديدا. فإذا قلت الحب فهو يعني الاغاني واذا قلت الجنس فهذا يعني الضحك.
هولاء الشيوخ لديهم قاموس جديد. وهذا امر يستحق العناية.
- من صفحة الكاتب على الفيسبوك

لن تبقى الأمور تجري على هذا المنوال من البؤس. رصيد الناس من الصبر سينتهي ومع انتهاءه سيكونوا قد عمروا أنفسهم بجهد وطاقة لانتفاضة قادمة لكنها ليس بالضرورة من نوع الاولة من عقلنة وحصافة ومثالية. خرج الناس الى الشوارع والساحات في ٢٠١١ يطالبون ببناء »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2019 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com