آخر تحديث للموقع : 12 - ديسمبر - 2018 , الأربعاء 06:22 صباحا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

هل الاصلاح الديني ممكن في الاسلام؟

19 - نوفمبر - 2018 , الإثنين 01:59 مسائا
327 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةأروى الخطابي ⇐ هل الاصلاح الديني ممكن في الاسلام؟

أروى الخطابي
قبل الاجابة عن سؤال "هل الاصلاح الديني ممكن في الاسلام؟" يتوجب تعريف معنى الاصلاح الديني: وفقا للتراث الاسلامي فان الاصلاح الديني لا يعني سوى العودة الى الاسلام الاول في القرن السابع الميلادي بمعنى العودة الى زمن النبي والصحابة التابعين. وقد يستغرب ايضا البعض لماذا ايقن معظم المسلمين بان الاصلاح الديني لا يعني سوى العودة الى فجر الاسلام حتى بعد تغير الزمان والمكان، لكن هذا الاستغراب سيتلاشى حتما اذا عرف المستغرب بان التراث الاسلامي ذاته يحمل الاجابة المفسّرة للعودة إلى ذلك الزمان البعيد.

لقد اشادت المنظومة الحديثية، اي اهل الحديث، في كثير من احاديثهم التى تناقلوها، وهنا الكلام ليس عن صحة الحديث من عدمه، وانما عن دور الحديث في التأصيل للعودة في اي اصلاح ديني في الاسلام الى زمن النبي واصحابه وتابعيه. وردت أحاديث نبوية تعتبر زمن النبي هو خير الازمنة، وتحولت هذه الأحاديث مع مرّ الايام إلى تشريع وشرعنة، وعلى رأس تلك الاحاديث "خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه". وحديث آخر يقول "لا يُصلح آخر هذه الأمّة إلا ما أصلح أولها"، وحديث ثالث يقول: يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، اي يستعيد النظم الدينية والتشريعية التى تأسست في القرون الاولى للإسلام. وهكذا اصبح المقياس الزماني للإصلاح الديني في الاسلام هو القرن السابع الميلادي والعودة الى الاسلام ايام النبي والخلفاء الأربعة، وربما يمتد الزمن الى الجزء الاول من العصر العباسي.

ان من يتتبع تاريخ الاسلام منذ موت النبي في السنة الحادية عشرة للهجرة الى الان سيجد انه مع امتداد الزمان الى الامام نحو المستقبل، وامتداد حدود المكان، كانت كافة الحركات الدينية وعلى اختلاف مضامينها واشكالها بقديمها وحديثها تتجه دائما الى الخلف محاولة العودة الى الزمن الاول للدين الاسلامي. واي محاولة لتغيير اتجاه الاصلاح الديني الى الامام كانت تُواجَه بعنف مفرط في مقدمته القتل سواء كان قتلا جماعيا او فرديا.
وعلى الرغم من القرن الاول للرسالة الاسلامية والقرون التى تلته لم تكن ابدا كما تخيلته الاجيال اللاحقة بانها كانت فعلا قرون خير وسلام وازدهار على الاطلاق، فقد كانت فترة النبي كلها حروب منذ خرج من مكة حتى توفي، وفي عهد ابو بكر اشتعلت الفتن بين المسلمين وقُتل زعيم الانصار سعد ابن عبادة، وارتد بعض المسلمين عن الإسلام، واعلن العديد من العرب نبوءتهم مثل مسيلمة وسجاح، وامتنعت قبائل عن اداء الزكاة، واندلعت حروب الردة التي ذهب ضحاياها الاف الناس واستمرت هذه الحروب خلال مدة خلافة ابو بكر الصديق، ولم تخمد الا بعد موته. ومع تولي عمر ابن الخطاب كان هناك نوع اخر من الحروب، وهي حروب التمدد الاسلامي التي اطلق عليها اسم الفتوح الإسلامية، وفيها قُتل الاف البشر واستُعبدت اقوام كثيرة، وانتهت فترة خلافة عمر بمقتله. وجاء عصر عثمان ابن عفان حيث حدثت في عصره الفتنة الاسلامية الكبرى، وانقسم المسلمون على انفسهم وانتهت فترة عثمان بمقتله. وما اعقب مقتله صبغ التاريخ الاسلامي بالدم، إذ تولى الحكم علي ابن ابي طالب، وفي عهده حصلت معارك كبيرة اهمها معركة الجمل التي قتل فيها آلاف المسلمين الاوائل الذين تصارعوا على السلطة والثروة، ثم معركة صفّين التي تصارع فيها علي ومعاوية على الخلافة وانتهت بمقتل علي، ما نتج عنه انتقال الحكم من البيت الهاشمي الى البيت الاموي. وبالرغم من أن هذه الفترة من التاريخ الإسلامي اتسمت بالحروب الدموية والفتن الكبيرة، ألا انها ظلت في المخيلة الإسلامية وحتى الآن مرجعية لكل إصلاح ديني في الإسلام.

مع تأسيس الدولة الاموية التي كانت سياسيا مختلفة عن نهج الخلفاء الاربعة السابقين، تحوّل النظام السياسي الى مِلْك وراثي بعد ان كان في عهد الخلفاء نسبيا شوريا، ولم يتولّ الحكم خلال فترة الخلفاء الاربعة خليفتان من اسرة واحدة. خلال هذه الفترة دخلت امم تحت حكم الدولة الاموية الاسلامية تحت ضربات السيوف، وامتدت الدولة الاسلامية الى انحاء مختلفة من العالم، من فارس الى الهند الى افريقيا وجنوب أوروبا. وحاولت الدولة الاموية الاستفادة من النظم السياسية والاقتصادية في الدول التي تم الاستيلاء عليها وفُرض الاسلام على شعوبها. في هذه الاثناء دخل الكثير من الافكار الجديدة والثقافات المتنوعة على الاسلام فظهرت الحركات الاسلامية الأولى، ابتداء من نهاية عهد علي ابن ابي طالب وتأسيس الدولة الاموية وحتى نهاية الدولة العباسية والفاطمية. وخلال هذه الفترة بدأت تتشكل المذاهب الاسلامية المختلفة مثل المالكية، والشافعية، والحنفية، والحنبلية، والى جانبها ظهرت انساق فكرية جديدة لها بنى فكرية خاصة تتصادم مع غيرها. ومع تطوير منظومة علم الحديث وتضخّمها، ومع مرور الزمن ظهر المزيد من المِلل والنحل والفرق الاسلامية كالمرجئة، والقدرية، والجبرية. وكانت معظم تلك الحركات تزعم انها تطوّر او تحدّث الاسلام. ومع كل حركة فكرية كان يصحبها حَراك سياسي، وبذلك تشكّلت الحركات الاسلامية الكبرى وعلى رأسها المعتزلة والخوارج.

ولان الدين الاسلامي لم يفرق بين الدين والدولة، بل ولان العرب لم يكونوا يعرفون من قبل شكل الدولة المنظمَّة، كانت كل حركه فكرية او فلسفية إسلامية تنشأ تبحث دائما عن مبرر وجودها وشرعية تأسيسها داخل تراث القرن السابع الميلاد والقرنين التاليين له. وداخل هذا التراث تتشكل رؤيتها وتتأسس منظومتها الفكرية والتشريعية والقانونية، وتتحول الى مقدّسٍ المساس به خروج ليس فقط عن الدولة، ولكن عن الدين نفسه. ومن يعارض الحاكم فهو لا يعارض شخصا، وإنما يعارض الله نفسه، والعقوبة هي القتل للفرد، والحرب للشعب المخالف.
وقُتل بسبب هذا الفكر المتصلب كل من حاول ان يفكر خارج المنظومة التي تشكّلت في تلك القرون الثلاثة، فقُتل الحلاج، وابن عربي، وابن المقفع، وعشرات غيرهم. وبعد ان كان الفكر المعتزلي، وهو فكر فلسفي عقلاني منفتح، قد ساد في فترة من فترات الدولة العباسية، وبخاصة في عهد المأمون الذي شهد بدء التدوين الاسلامي ونقل علوم الاوائل كالفلسفة، والرياضيات، والمنطق. وبدأ التيار المعتزلي يؤسس للعقلانية في الاسلام ويؤكد على البعد المجازي الفلسفي للنصوص الدينية المقدّسة محاولا تخطي العثرات الفكرية التي اسست للحروب الدموية بين المسلمين. ولكن لم يدم ذلك طويلا فقد قضى الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله على الفكر المعتزلي وألغى هذه الفلسفة الاعتزالية العقلانية، وتمت ملاحقة مفكري المعتزلة في كل مكان قتلهم واغلاق باب الاجتهاد. وفي مرحلة لاحقة حُرمت الفلسفة هذه بشكل مطلق، ووُصفت بالزندقة والكفر، وزُندق وكُفّر كل من اتُهم باعتناق هذه الفلسفة، وعلى رأس اولئك ابن سيناء الذي لقّب بأمام الملحدين، والرازي. وفي مرحلة تالية اُحرقت كتب زعيم الفلاسفة ابن رشد الذي نُفي من الاندلس الى المغرب حيث مات شريدا طريدا.

ومنذ تلك الفترة تقريبا اصبحت اي حركة فكرية او دينية، سواء فردية او جماعية تتجه في اصلاحها الى العودة الى الوراء، الى القرن السابع والقرنين التاليين له. وكانت النتيجة ظهور اكثر الحركات دموية في التاريخ الإسلامي، وعلى رأسها الحركة الوهابية التي ظهرت في القرن الثامن عشر وتسببت في قتل آلاف الناس في الحجاز والعراق والشام واليمن. في نفس الفترة تقريبا ظهر في اليمن على سبيل المثال رجل دين كبير يوصف في التاريخ الاسلامي بانه الامام المجدّد، وهو الشيخ محمد بن على الشوكاني الذائع الصيت، ومن يقرأ للشوكاني سيجد نفسه امام احد رواد العودة الى القرن السابع الميلادي وما تلاه.
مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وصلت الحملة الفرنسية الى مصر بكل محمولاتها من الحضارة الغربية العلمية والفلسفية. ومع ان الحملة ادت فيما بعد الى تأسيس دولة شبه حديثة في مصر على يد محمد علي باشا، الا ان ذلك لم يغير من الامر شيئا، إذ ظل الفكر الاسلامي كما هو ولم يُمس مطلقا، وبقي الحاكم ظِل الله، والدين على الشريعة القادمة من القرن السابع.

ابتداءً من القرن العشرين، وبعد الانفتاح قليلا على العالم، وبسبب الحروب العالمية ووصول القوى الاوربية الى العالم الإسلامي، ظهرت بعض المحاولات الفردية هنا وهناك ما عدا تجربة تركيا التي حاول بها كمال اتاتورك احداث نقلة فكرية في تركيا من خلال علمنة الدولة وفصل الدين عن السياسة، وتأسيس منظومة تشريعية حديثة. لكن من يشاهد الانتكاسة التركية الان على يدي اردوغان، والردة التركية نحو الحكم الديني، سيكون على يقين من ان تركيا فشلت ايضا في الاستمرار بعلمانيتها.
عربيا كان معظم محاولات الاصلاح الديني ابتداء من القرن العشرين فردية تماما. وكسابقاتها كانت أكثرية تلك الاصلاحات تتوخي العودة الى فكر وفلسفة القرن السابع الميلادي وما تلاه. ورغم ان بعض المفكرين العرب يُرجع بداية محاولات الاصلاح الديني الى رفاعة الطهطاوي ومن بعده محمد عبده وعلى عبدالرازق الا ان من يقرأ لهؤلاء قراءة حصيفة لن يجد ابدا سوى ما سبق ان اشرت اليه سابقا، وهو فكر القرن السابع الميلادي. ولعل خير دليل على ذلك مقولة محمد عبده عندما قال بعد عودته من فرنسا: "وجدت في فرنسا اسلاما ولم اجد مسلمين، ووجدت في العالم العربي مسلمين ولم اجد اسلاما". هذه المقولة موغلة في تزييف الوعي والتغول على الواقع. فبالرغم من ان محمد عبده وجد في فرنسا قوانين الحريات والعدالة والمساوة التي انتجتها الثورة الفرنسية، وجد العلمانية أيضاً والدستور العلماني، وحقوق الانسان، والقضاء العادل المستقل، لكنه قال إنه وجد اسلاما في فرنسا، إلا أن اهلها غير مسلمين، بمعنى انهم اخذوا قوانينهم ونظمهم وفلسفتهم من المسلمين، إنما ظلوا كأشخاص كافرين، بينما وجد العرب مسلمين تخلوا عن حقوق الانسان، والعدالة والحريات الفردية، والفلسفة والدستور العلماني، وفصل الدين عن الدولة.

لقد انتشرت مقولة محمد عبده بين المسلمين انتشار النار في الهشيم وآمن معظم العرب بان فرنسا لديها اسلام حقيقي استقته من الاسلام الذي تخلى ابناؤه عنه. والى الان ما تزال صدى تلك العبارة تتردد في الافاق بدون ان يجرؤ احد على تفنيدها بشكل صحيح.
مع سقوط الخلافة الاسلامية في تركيا في عام 1923 ظهرت حركة الاخوان المسلمين عام 1927 بزعامة حسن البنا وسيد قطب بناء على فكر ابو الاعلى المودودي. وهذه الحركة لا تريد سوى العودة الكاملة الى القرن السابع الميلادي إن سلما او حربا، وهذا ما حدث بالفعل. فقد تشكل التنظيم الدولي وفقا لرؤية ان الامم جميعا في جاهلية، وان الحكام حتى وان كانوا مسلمين فهم من اهل الجاهلية يتوجب محاربتهم وقتلهم وتدمير جيوشهم. ويُعد تأسيس تنظيم الاخوان المسلمين بهذه الفلسفة الاسلامية الفكرية العنيفة اول حركة معاكسة في التاريخ الإسلامي، إذ غالبا ما كان الحاكمون يحددون من هو الخارج عن الدين، ومن هو الذي ينبغي ان يُقتل كمرتد او يُحارب كخارج عن الاسلام. وعلى الرغم من اوجه الشبه بين الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر وتنظيم الاخوان المسلمين، الا ان الحركة الوهابية كانت تحت ظل حركة ابن سعود السياسية التي تحالفت معها منذ بداية تأسيسها، ما منحها زخما كبيرا جعلها تمتد في مدة قصيرة الى اماكن كثيرة في المنطقة كما سبق واشرت.

اسس الاخوان التنظيم السري وبدأوا بقتل رجال الدولة، وعلى رأسهم القاضي احمد الخزندار وغيره من رجال الدولة، وحاولوا قتل المفكرين الكبار كطه حسين، ونحيب محفوظ، بل حاولوا قتل عبد الناصر شخصيا واتهموه بالكفر. وفي منتصف ستينات القرن العشرين، ومع نكسة الخامس من حزيران 1967 وهزيمة العرب شرّ هزيمة على ايدي إسرائيل، انتعشت الحركات الاسلامية المتطرّفة. وتُعد هذه المرحلة واحدة من اخطر المراحل الاسلامية على الاطلاق في ظل تراكم فائض مالي كبير من النفط في ايدي انظمة اسلامية مستبدة، ما انعش الحركة الوهابية السلفية، وساهم في تمددها من اندونيسا حتى دول الاتحاد السوفياتي السابق الاسلامية. وقد مولت الحركة الوهابية منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي مرحلة تالية احكمت سيطرتها على المؤسسات الاسلامية في دول كثيرة خارج السعودية، وعلى راسها الازهر في مصر. ومولت الحركة الوهابية المدارس الاسلامية التي تنشر التطرف في باكستان وافغانستان، وهي بيئة فقيرة ماديا، ومن الناحية المعرفية اشد فقرا، وكثير من الطلاب لا يعرف العربية فيتم تلقين العنف على انه الدين الصحيح، وكانت النتيجة انتاج ارهابيين تزايدت اعدادهم يوما بعد يوم. وساعدت ظروف الصراع بين القوى الكبرى في الحرب الباردة على تمدد ظاهرة الاسلام السلفي في كل مكان. وسرعان ما تشكلت الانظمة الاسلامية الراديكالية السنية والشيعية على السواء. وتُعرف هذه الفترة بفترة الصحوة الاسلامية.

في ايران استطاع الامام الخميني الاستيلاء على الحكم في ايران واسقاط الشاه وحكم الدولة حكما ثيوقراطيا دينيا صارما وفقا لرؤية المذهب الشيعي الاثني عشري. وانتهي امر عدد كبير من رجالات ايران المفكرين، واليساريين، والمتحررين في السجون او على حبال المشانق والرافعات. وفي السعودية اصبحت العائلة الحاكمة هناك ظل الله على الأرض، واصبحت الممثل الاسلامي الاول والوحيد للعالم السني، ومن يخالفها عليه ان يواجه مصيره المحتوم بالتدمير الاقتصادي والسياسي والفكري.
ومع انتشار الاعلام وقنوات التلفزيون الخاصة ومواقع الانترنت اصبحت الجماعات الاسلامية تتنوع وتتزايد وتنتشر في كل مكان، عشرات القنوات الدينية، مئات المواقع الالكترونية، آلاف الصحف والدوريات والمجلات الدينية تنادي كلها بتأسيس خلافة اسلامية على اساس فقه القرن السابع والعودة إلى المنبع. تم استقطاب وتجنيد مئات الالاف من الشباب العاطل عن العمل والقليل التأهيل علميا، والزج بهم في الحروب الدينية. تم نقلهم عبر شركات الطيران وشبكات الطرق البرية والبحرية الى مناطق التوتر في العالم من افغانستان والشيشان الى البوسنه في اوروبا تحت راية الله اكبر.

مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين اصبحت الدعوة الى تأسيس خلافة اسلامية على اساس شريعة وقوانين القرن السابع الميلادي اكثر قوة، واشد وضوحا، وبدأت المنظمات الجهادية تتكاثر كما يتكاثر الفطر السام مستغلة جو التوتر العام في الوطن العربي ومستندة إلى قضية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية. وفي فترة لاحقة تشكلت الميليشيات الاسلامية الجهادية المسلحة كالجهاد الاسلامي والتكفير والهجرة. بعد غزو العراق للكويت ودخول امريكا الى المنطقة بحجة تحرير الكويت وبقاء القوات الامريكية في العراق تأسست الحركات الاسلامية الاكثر راديكالية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة الذي تشكل من المجاهدين العرب والافغان في اطار الحرب الباردة والذي اسقط افغانستان من ايدي الروس. ودعت القاعدة بدورها الى تأسيس الخلافة الاسلامية على منهاج النبوة. وماهي الا اعوام قليلة حتى تأسست طالبان في افغانستان مدعومة ماديا وفكريا من الوهابية السلفية التى انتهت بالاستيلاء على افغانستان وبالفعل بدوا في تطبيق شريعة القرن السابع والقرون التى تليه. لم تدخر طالبان جهدا في تطبيق اسلام القرن السابع ابتداء من اللحية حتى دخول الحمام. والنتيجة، كما يعرف الجميع، لولا تدخل الولايات المتحدة لقتال طالبان بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لظلت تحكم في افغانستان بشريعة القرن السابع، مع انه يمكن حتى الان القول بأن كل الدول الاسلامية ما تزال محكومة بمنظومة القرن السابع الميلادي والقرون التي تليه مع بعض التغييرات.

ان المحاولات الفردية القليلة لاصلاح الاسلام خارج منظومة القرن السابع الميلادي وما تلاه انتهت جميعها بالقتل، وكانت اول محاولة للمفكر السوداني محمود محمد طه الذي طالب باعادة قراءة النصوص الاسلامية قراءة حديثة خالية من العنف والقتل، كما دعا الى اعتماد الاسلام المكي المسالم. انتهت محاولة محمود محمد طه بالحكم عليه بالاعدام عام 1985 اثناء حكم جعفر النميري. محاولة اخرى في بداية تسعينات القرن الماضي لقراءة الاسلام قراءة منفتحة بعيدا عن العنف ومع الدعوة الى علمنة الدولة وفصل ما هو سياسي عما هو ديني قادها المفكر الكبير فرج فودة انتهت بقتله على ايدي التنظيم السري للاخوان المسلمين في عام 1997. وبعد حادثة مقتل الدكتور فرج فودة اصدر القضاء المصري حكما جائرا ضد مفكر اخر هو الدكتور نصر حامد ابو زيد بتهمة الكفر بعد ان قدم كتابه مفهوم النص الى لجنة البحث العلمي لنيل درجة الاستاذي، وبدلا من الحصول على درجة الاستاذية حصل على فتوى تفرق بينه وبين زوجته الدكتورة نهلة الاستاذة بقسم اللغة الفرنسية بجامعه القاهرة. اضطر بعدها الدكتور نصر حامد والدكتورة نهلة الى مغادرة مصر تجنبا لمصير اشد سوءا.

ومع استثناءات قليلة جدا من المحاولات الفردية في نهاية القرن العشرين لاصلاح الاسلام عن طريق مفكرين معدودين على رأسهم الدكتور محمد عابد الجابري في المغرب، والدكتور محمد اركون في فرنسا، والدكتور مالك بن نبي في المغرب، والدكتور سيد القمني الاكثر جرأة وصراحة في مصر، تكاد تكون الساحة الفكرية خالية تماما من اي حركة فكرية ذات بال. وبالمقابل كانت حركات التطرف الاسلامي تشتد ويقوى عودها. وبعد ان كانت تلك الحركات تتستر بالحرب الباردة اصحبت تعلن عن ذاتها وتؤسس نفسها، وتفتتح قنوات اعلامها وتبني منظوماتها وتجمع افرادها وتهيكل مؤسساتها، وتسجل بنوكها وتكدس أموالها، وتجمع اسلحتها، وتعقد تحالفاتها السياسية.
ومع اندلاع الثورات العربية الاخيرة في نهاية 2010 وبداية 2011 كان العالم يعتقد ان العرب سيتخلصون من الدكتاتوريات السياسية، ويؤسسون نظما ديمقراطية حديثة تؤمن بحقوق الانسان والمساواة والعدالة، وتعمل على توزيع السلطة والثروة بين الناس بالعدل، وتحقق تكافؤ الفرص وتمنح المرأة حقوقا متساوية مع الرجل، وتلغي كافة انواع التمايز العنصري او العرقي او الطبقي وتساوي بين الناس في الحقوق والواجبات. لكن العالم تفاجأ بان الثورات تحولت بشكل شبة تلقائي الى دعوة لاعلان الخلافة الاسلامية وفقا لشريعة القرن السابع وما يليه.

وسُخّرت كافة الامكانيات المادية والاعلامية والفكرية لتوجيه الثورات العربية كلها نحو تأسيس الخلافة الإسلامية. واعلن عبد المجيد الزنداني وهو رجل دين اخواني متطرف في ساحة التغيير في اليمن انه يرى الخلافة امام عينيه. وإذ في مشهد درامي ترتفع عشرات الاف الايدي، والاصوات تعلوا بـ الله اكبر ولله الحمد. لم يكن المشهد مختلفا كثيرا في كثير من ساحات الثورة. فقد اعلن الاخوان في مصر ان الملائكة تصلي معهم، وان جبريل اوحى اليهم بقرب الخلافة. ليبيا ايضا لم تكن بعيدة عن المشهد، إذ تأسست فيها جماعات دينية كثيرة كلها تدعو الى اعلان الخلافة، اما سوريا التي تكالبت عليها الجماعات الارهابية من كل جانب اضحت فريسة لعشرات الجماعات الارهابية القادمة من كل مكان مدعومة وممولة عربيا بلا حدود. وتقاطر الارهابيون الى سوريا من كل حدب وصوب فتحولت الى ملتقى ارهابيي الشرق والغرب، وكلهم طبعا يحدوهم الامل بإسقاط النظام الدكتاتوري المجرم واعلان الخلافة. ولما لم يستطيعوا اسقاط النظام بسرعة، وبما انهم كانوا على عجلة من امرهم، تأسست الخلافة الاسلامية في الرقة تحت اسم الدولة الاسلامية في العراق والشام واختصارها "داعش".
هكذا تبلورت التجربة الاصلاحية الاسلامية بالعودة الكاملة إلى القرن السابع وما بعده. وبالفعل طبقت هذه الجماعات شعارها "الخلافة على منهاج النبوة" قولا وفعلا من إعلان الحرب ضد كل من يعارضها، وبصورة خاصة الايزيديين، وصولا إلى أسر النساء وفتح أسواق النخاسة وبيع الجواري واغتصابهن عنوة بعد قتل الرجال. وتأسست خلافة "داعش" الاسلامية بخليفة هاشمي من آل البيت النبوي ومن قريش وفقا لشريعة القرن السابع كاملة مكملة. وعلى الرغم من حالة الانكار الكامل من معظم الدول العربية بأن تكون داعش تطبق الاسلام في القرن السابع، الا ان من له اطلاع ولو متواضع على التاريخ الاسلامي سيجد ما يؤكد ذلك.

وعلى الرغم ان القوات العراقية بالتعاون مع القوات الامريكية قد استطاعت تحرير بعض المناطق التي حكمتها داعش الا ان الأخيرة تتمدّد داخل العالم الاسلامي وتتجذر فيه، فداعش ليست كيانا سياسيا، وانما كيان عقائدي وفكري وثقافي. وهذا الكيان لا يموت بالاسلحة مطلقا، وقد يختفي عن الأنظار، لكنه باقٍ ويتمدد ايضا. وهذا ما يفسر تواجد داعش في اوساط افريقيا حيث تخطف وتبيع النساء، وتستبيح القرى وتنهب الأموال، وتحرّم التعليم مثل تنظيم بوكو حرام. ومع استمرار الانظمة الاسلامية الدكتاتورية في قمع اي حراك فكري حداثي تجديدي تظل القوى الاسلامية التى تسعي إلى اصلاح الاسلام بالعودة الى اسلام القرن السابع والذي يليه هي سيدة الموقف. ومع ان الموقف يظل سوداويا للغاية بدأت تظهر بوادر تحدي من الشعوب لهذه الانظمة.

لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، وبخاصه تويتر وفيس بوك ويوتيوب في كسر الحواجز الاعلامية، واصبح بامكان الكثير من الناس طرح أسئلة كانت بحكم المحرمة. بدأ الشباب يقتحمون مجالات فكرية لم تكن متاحة لهم من قبل، بدأت الافكار تنتقل من حيزها المحدود والضيق الى حيز عام واسع ومنفتح، وتساؤل واحد عن حقائق الدين يصبح اليوم موضع مناقشة من الاف الناس في وقت واحد. تحوّل الصراع من الشارع الى الشاشات، ومن الارض الى الفضاء، ومن السلاح الى الافكار. لذا تحاول الانظمة الدينية الدكتاتورية محاصرة وسائل التواصل الاجتماعي بتأسيس جيوش الكترونية، وذباب الكتروني، وكتائب تدخّل سريع الكترونية، يقدمون البلاغات ضد المواقع والصفحات ويقفلون بعض الحسابات ويهكروا بعض الصفحات، لكن الشباب لا ييأسون ويفتحون صفحات جديدة، ويؤسسون مواقع جديدة، وينشرون افكارهم وتساؤلاتهم ورؤاهم بكل جرأة.
على المستوى الفكري الرفيع تتشكل الان طبقة من المفكرين الجدد الاكثر جراءة في طرح افكارهم وتضم هذه الفئة المفكرين الاكثر صراحة ووضوحا، وينادون بجعل الدين امرا شخصيا ذاتيا بعيدا عن التداول العام، وتحويل الدولة الى كيان اداري وسياسي يدير الدولة ويقدم خدماته للجميع على حد سواء بعض النظر عن المعتقد الديني. ويطالبون بدساتير علمانية تفصل الدين عن الدولة وتتبني الاعلان العالمي لحقوق الانسان وكافه القوانين الانسانية التي تمنح الانسان كامل الحرية في الاختيار وتمنحه حقوقه في الرأي. ويتزايد عدد هؤلاء المفكرين يوما بعد يوما والبعض منهم بدأ فعلا يقدم اسئلة مهمة حول الاسلام ويبحث في اصوله ومدى صدقيته. وعلى رأس هذه الفئة يأتي الدكتور سيد القمني من مصر والدكتور عبدالعزيز القناعي من الكويت. عدد من افراد هذه الفئه اعلن خروجه النهائي من الاسلام برمته وصرح بانه دين لا يمكن اصلاحه، وان على الدولة ان تسيّر شؤونها بعيدا عن الدين تماما، وعلى رأس هؤلاء حامد عبد الصمد واحمد حرقان، وشريف جابر وبعض المفكرين الاقل شهرة. والواقع ان هذه الفئة، على الرغم من محدودية عددها، الا ان تأثيرها كبير.

الفئة الثانية، وهي فئة اكبر حجما من الفئة الأولى، تنادي بإسلام حداثي وفتح باب الاجتهاد والابقاء على ما يمكن الاستفادة منه من الدين، وتحويله الى تيار روحاني له قيم اجتماعية. هذه الفئة تنادي بعلمنة الدولة لا المجتمع، ويمكن ان نطلق على هذه الفئة "منزلة بين المنزلتين"، أي تريد شعبا مسلما ودولة محايدة. ورغم ان هذه الفئة تقر بالاسلام كدين، الا أن العديد من افرادها يتعرض للمطاردة تحت دعوى ازدراء الاديان. ويمثل هذه الفئة البرفسور مهند خورشيد من جامعة نيومونستر، والبروفسورة الهام مانع، والمحامية التركية سيرين اتاش، ومن المغرب العربي الدكتور محمد عابد الجابري، والمفكر سعيد ناشيد، والمفكر الامازيغي أحمد عصيد، ومن سوريا محمد شحرور، ومن تونس الدكتور هشام جعيط . كما يمثلها بعض الشباب المتحمس للاصلاح الديني المحدود، وعلى رأسهم إسلام البحيري الذي حُكم عليه بالسجن بتهمة ازدراء الاديان. هذه الفئة تحاول اصلاح الدين بتقديم تفسير حداثي له، ولكن تأثيرها ما يزال للأسف محدودا لعدم قدرتها على ايجاد رؤية متكاملة وواضحة حول ما يمكن عمله حيال التراث الديني العنيف من نصوص مقدسة وتجارب اسلامية سابقة.

الفئة الثالثة مؤلفة من رجال "الشو" الديني ـ الاعلامي أو الدعاة الجدد، وهي فئة عريضة جدا تزداد كل يوم، وكل قناة تلفزيونية اصبح لها لوبي من رجال الشو الاعلامي، وعادة ما يكون افراد هذه الفئة من الشباب حسني المظهر الذين يرتدون ملابس حديثة وربطات عنق، وبعضهم يعتقد انه يقدم اسلاماً حداثياَ لمجرد انه يلبس بدلة رسمية او بنطلون جينز وجاكيت او تي شرت. هذا النوع يزيد الطين بلة فهو يجذب الشباب كي يتطرفوا ويتحولوا الى ارهابيين فيما بعد. وعلى رأس هذه الفئة يأتي عمرو خالد وعدنان ابراهيم ووائل حسني.

الفئة الرابعة، وهي الفئة الممتدة زمانيا من القرن السابع الميلادي الى الان، ومكانيا من افغانستان الى اواسط أوروبا، هي الفئة الاكبر حجما والاوسع تأثيرا، والاكثر ثراء وتأثيرا، أي فئة المفكرين التقليديين الذين يُصرّون على أن العيب في المسلمين لا في الاسلام وان الاسلام صالح لكل زمان ومكان، وانه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا ونظمها، وأنه دين شامل وهو دين ودولة معا وهو الحلّ. وان حصلت اخطاء في التطبيق فالخطأ هو خطأ المسلمين لا الدين، إذ ان تصرفات الناس ليست حجة على الناس ولكن الاسلام حجة على الناس. هذه الفئة تؤمن بـأن الحل هو العودة الى القرن السابع والقرن الذي يليه ثم الذي يليه، وتستمر بل وتستميت في عمل ذلك. يمثل هذه الفئة كافة رجال الوهابية والاخوان، وكافة رجال الدين في التنظيمات الجهادية.
ومع تنوع الفئات التي تحاول اصلاح الدين الاسلامي من التطرف والارهاب الى الالحاد يقف الجميع مدهوشين عاجزين مشلولين، فلا هو الذي اُصلح، ولا هم الذين توقفوا عن المحاولة. وفي كل الاحول يجب عدم اليأس، وتجارب الشعوب مهما طال عليها الامد لابد ان يطالها التغيير.
ـ رابطة الإعلاميين العرب في ألمانيا

مر عام كامل على مقتل الرئيس السابق على عبدالله صالح . الرجل الذي حير العالم واليمنيين . انقسم اليمنيون بين متشفي فيه ومشفق علية . هذا طبيعي جدا . فثلاثة وثلاثون عاما من الحكم هي من اطول مدد الحكم في التاريخ الحديث . ولو حسبنا المده التى حكم فيها »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2014 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com